القدس العربي - استطلاع: 65 بالمئة من الأمريكيين يرفضون طريقة تعاطي ترامب مع إيران Euronews عــربي - إعلان موت شجرة البلوط في غابة شيروود الشهيرة بروبن هود عمرها 1200 عام قناة الجزيرة مباشر - نافذة من جنيف | لماذا تأجلت مفاوضات سويسرا بين إيران وأمريكا؟ فرانس 24 - بوركينا فاسو قناة الشرق للأخبار - ترمب في مواجهة الحزبين بسبب اتفاق إيران CNN بالعربية - غيّر مسار المفاوضات.. ما الذي حدث في جنوب لبنان خلال الليل؟ إيلاف - تقرير: الحرس الثوري الإيراني شكّل خلايا سرية في العراق لضرب دول خليجية قناة الغد - رصد انتشار بكتيريا مقاومة للأدوية خارج المستشفيات العربي الجديد - عبد الله الخاطر: نُظهر للعالم ما تستطيع الكوادر القطرية CGTN العربية - Tasting Dragon Boat Festival Cuisine and Enjoying the Vibes of the Chinese "Duanwu" Festival
عامة

وصايا فيون الشعرية تختال بموسيقى ديبوسي

Independent عربية
Independent عربية منذ ساعتين

كان ذلك في عام 1910 وقد اقترب الموسيقي الفرنسي الانطباعي كلود ديبوسي من عامه الـ50، لكنه بات يشعر أن سنواته الباقية لم تعد كثيرة أمامه، وأنه قد بات عليه أخيراً أن يضع ألحاناً تحمل نفساً يشي بأنه إنما ...

كان ذلك في عام 1910 وقد اقترب الموسيقي الفرنسي الانطباعي كلود ديبوسي من عامه الـ50، لكنه بات يشعر أن سنواته الباقية لم تعد كثيرة أمامه، وأنه قد بات عليه أخيراً أن يضع ألحاناً تحمل نفساً يشي بأنه إنما يموسق بطريقته الفنية الفذة ما سيبدو للخلف أنه وصاياه الفكرية، حتى وإن لم يَرَ الأمر كذلك، أي حتى وإن كان سيبدو أنه إنما يضع قوالب موسيقية لمبدع آخر ولنوع آخر من الإبداع.

وهو إذ بحث جيداً عما يساعده على ذلك بين مختلف نتاجات الشعر المعاصر، اعترف في النهاية بأن كل ما قرأه لم يوصله إلى غايته، فكان أن اهتدى إلى ثلاث قصائد لدى شاعر القرون الوسطى الفرنسية فرنسوا فيون المعتبر مؤسس الشعر الفردي الإنساني، إذ هبط بالشعر من علياء السماوات إلى واقع الحياة على الأرض، وحتى دون أن يبدو هو الآخر وكأنه يفعل ذلك.

وعلى هذا النحو ولد ذلك العمل الشاعري الموسيقي الذي سيعرف، ببساطة، بعنوانه المنطقي" ثلاث قصائد من فرنسوا فيون"، لكنه وبإبداع كان ديبوسي وحده يملك سره، لم يبد أبداً كموسقة حديثة لشعر كلاسيكي قديم، بل بدا لحناً وشعراً، بالغ الحداثة يوصل التلحين الغنائي إلى مستوى غير مسبوق، ويوصل لعبة التعبير الذاتي، إلى مستوى بدا معه الشعر واللحن مندمجين في بوتقة واحدة، بل إن الأغنيات الثلاث معاً بدت دنيوية الطابع، حتى وإن كان ديبوسي دمج فيها جملاً موسيقية قد تفخر بعزفها أية أوركسترا كنسية.

وذلك لأن الموسيقي قد عرف كيف يتبنى شعر فيون تماماً، ويربطه ربطاً محكماً بالمشاعر التي كانت أصلاً حفزته على تحقيق ذلك المشروع برمته.

ولعل في استعراضنا لعناوين الأغنيات الثلاث المختارة، مما يضعنا في قلب الاستحواذ الذي عرف الموسيقي كيف يمارسه على الأشعار القديمة فيحدث استخدامها على إيقاعات موسيقاه التعبيرية - أي ابنة نهايات القرن الـ19 - قلباً وقالباً.

فهناك في المقام الأول" شكوى فيون إلى ساميي" وهي عبارة عن قصيدة غرامية موجهة إلى امرأة كان الشاعر القديم مغرماً بها، ويبدو أنها لم تتجاوب معه، وبعد ذلك هناك" شكوى الشاعر متضرعا إلى السيدة العذراء بناءً على طلب من أمه"، وثالثاً وأخيراً، هناك" أنشودة النساء الباريسيات".

والحقيقة أن هذه المختارات ودلالاتها تشي بكم أن ديبوسي في اختياره موسقتها معاً على اختلاف روحيتها ومضامينها ومناسباتها، اشتغل على المشروع وكأنه يتوخى منه أن يختبر أنواعاً موسيقية متعددة تتبع المعاني المتأخرة، ودائماً في داخل لعبة ذاتية تبرر انطباعية موسيقاها.

ومن هنا ما يلفت في حكاية هذا العمل وما يدفع إلى الاعتقاد بأن ديبوسي تعامل معه أول الأمر بصورة تجريبية، إذ جعله نوعاً من عزف انفرادي على البيانو يصاحب الغناء، قبل أن يعود بعد أشهر إلى تحويل الألحان الثلاثة إلى توزيع كامل للأوركسترا، وهو تحويل سيجري عليه تعديلات عديدة في العام التالي حين سيقدم في حفل شديدة الخصوصية، معزوفاً أوركسترالياً مع غناء بأصوات متعددة، مما يزيد من التعبير عن التبني التام من الملحن لعمل كان خاضه أول الأمر على سبيل التجربة، فإذا به يتحول ليضحي وصية فنية له.

إذاً، في منطلق المشروع، كما يبدو، كانت غاية ديبوسي أن يشتغل بموسيقاه على جزء من تراث إبداعي عريق، غير أنه سرعان ما وجد نفسه أسير التنوعية المهيمنة على العمل متنقلة من الشكوى الغرامية للعاشق في القصيدة الأولى، إلى نوع من الصلاة الدينية في القصيدة الثانية، وصولاً إلى نغمة المرح والسخرية في القصيدة الثالثة.

ونعرف أن هذه القصيدة الثالثة بالذات هي التي ومنذ قدم المشروع ذلك التقديم الاحتفالي الكبير للمرة الأولى في عام 1911، ستنال القدر الأكبر من الشعبية وتصبح في حد ذاتها نموذجية في التعاطي الموسيقي الحديث مع الشعر الفرنسي الكلاسيكي.

والحال أن الأهمية القصوى لهذه الدورة الغنائية تتأتى من أن ديبوسي لم يحاول فيها تحديث شعر فيون أو صبه في قالب رومانسي متأخر، بل سعى إلى إيجاد لغة موسيقية تستحضر روح القرن الـ15 من دون أن تمنعه من التمسك بأسلوبه الشخصي، ومن هنا ما نلتقيه في بعض اللحظات من انعطافات في الإنشاد تبدو أقرب إلى الترنيم القديم، ونتلمس عناية فائقة بما يسميه المعلقون" إيقاع اللغة الفرنسية الوسطى ونبراتها الداخلية بحيث تبدو الموسيقى وكأنها امتداد للكلمة لا مجرد مرافقة لها".

ولقد لاحظ دارسو هذا العمل الذي لا بد من التذكير بكونه قد درس خلال مرحلة ما في المعاهد الموسيقية الفرنسية بسبب نموذجيته، لاحظوا أن" التحدي الأساس الذي وجد ديبوسي نفسه يواجهه كان تحويل شعر فيون القديم إلى خطاب موسيقي حديث مع المحافظة على خصائصه اللفظية والإيقاعية".

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولئن كنا خصصنا الأغنية الثالثة المتعلقة بالنساء الباريسيات بإشارة خاصة في أول هذا الكلام، فما هذا إلا لأنها، وبإجماع المعلقين، تعتبر أكثر القصائد الثلاث خفة وحيوية، ففيها يعدد فيون أنواع نساء المدن والأقاليم الأوروبية الرئيسة ويجعلهن يعبرن عن أنفسهن بأقوى ما يستطعن من الفصاحة، ولكن في كل مرة تفعل إحداهن ذلك تأتي اللازمة التي ستصبح واسعة الشهرة لتقول: " لا فصاحة تضاهي فصاحة الباريسيات".

ومن هنا النظر إلى هذه الأنشودة الخفيفة الظل باعتبارها نوعاً من الاحتفال بالذكاء الشعبي والقدرة الأنثوية الباريسية على الجدال والحديث أكثر كثيراً مما هي تعبير عن مديح تقليدي للجمال الذي تتميز به نساء باريس عادة، في المنظور الشعبي في الأقل.

والملاحظ أن ديبوسي قد استجاب هنا لهذا الطابع الساخر بموسيقى متحركة ومفعمة بالحيوية، حيث يتقدم اللحن بخطوات سريعة ومتقلبة، وكأن مغنيه يشارك في حوار حي داخل أحد أزقة باريس القديمة.

وهو حوار لا يكتفي فيه البيانو بمرافقة الغناء، بل يعلق على النص ويضفي عليه مسحة من الدعابة الرشيقة التي كانت هي العنصر الذي اجتذب أسمى آيات الإعجاب بهذا العمل في كل مرة قدم فيه، علماً أن أغنية النساء الباريسية قد اعتادت أن تقدم بمفرها بشكل تتحول معه دائماً إلى أغنية جماعية راقصة تتفنن المغنيات الباريسيات في التفاعل معها بشكل لا مثيل له، ولا سيما أن السمة الرئيسة في الأداء اللحني، والصوتيات بالتالي للأغنية تمر من خلال لعبة تصاعدية تتفاعل حتى الوصول في السطور الأخيرة إلى ذروة يجعلها الموسيقي تبدو أشبه بصرخة انتصار فاقعة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك