لم تكن ندوة التضامن مع الأسرى الفلسطينيين، التي استضافتها جامعة سواس في لندن، مساء الجمعة، فعالية حقوقية تقليدية، بقدر ما بدت محاولة لفتح نافذة على جانب أقل ظهوراً من الحرب الجارية، بشأن ما يحدث داخل السجون الإسرائيلية، إذ تتقاطع الشهادات القانونية مع روايات إنسانية قاسية عن التجويع والعزل والإهمال الطبي وغياب الرقابة الدولية.
ونظم الندوة مركز العدالة الدولية للفلسطينيين بالتعاون مع حملة" الأشرطة الحمراء"، وشارك فيها الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، ورئيس مركز العدالة الدولية للفلسطينيين طيب علي والمحامي خالد محاجنة والناشط الفلسطيني والمتحدث باسم أسطول" صمود" سيف أبو كشك، والناشطة الحقوقية كاترينا غراهام.
وأدارت الندوة الإعلامية والناشطة ماتيلدا مالينسون، فيما افتتحها منسق حملة الأشرطة الحمراء عدنان حميدان.
حملت الندوة منذ بدايتها محاولة واضحة لنقل قضية الأسرى من لغة الأرقام إلى صورتها الإنسانية.
فالمتحدثون لم يتناولوا آلاف المحتجزين بوصفهم أرقاماً، بل بوصفهم وجوهاً وعائلات ورسائل منقطعة وأجساداً أنهكها الاحتجاز الطويل، في ظل منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارتهم منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وقال منسق حملة الأشرطة الحمراء عدنان حميدان إنّ الحملة انطلقت في أكتوبر 2025 بعد الإفراج عن نحو ألفَي أسير، وبقاء أكثر من تسعة آلاف داخل السجون الإسرائيلية، بهدف إبقاء قضيتهم حاضرة في الوعي العالمي.
وأشار إلى أن المعتقلين يشملون صحافيين وأطباء وطلاباً وأطفالاً ونساءً وعاملين في القطاع الطبي، وأن كثيرين منهم محتجزون من دون محاكمة أو بموجب أوامر اعتقال إداري لا تتضمن اتهامات واضحة أو سقفاً زمنياً محدداً.
وفي تصريح خاص لـ" العربي الجديد"، قال حميدان إن الندوة جاءت في لحظة" تتعرض فيها قضية الأسرى لمحاولة تهميش متعمّدة، رغم كونها من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً في المشهد الفلسطيني اليوم"، وأضاف أنّ الشهادات التي قُدمت كشفت حجم الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية، من التجويع والعزل والإهمال الطبي، وصولاً إلى تشريعات جديدة تسعى إلى منح غطاء قانوني لسياسات أكثر تطرفاً، بينها مشاريع قوانين الإعدام والمحاكمات الجماعية.
ورأى أن الحرب على الأسرى" لم تتوقف يوماً"، بل تصاعدت بصورة غير مسبوقة في ظل غياب الرقابة الدولية.
واعتبر أن مشاركة شخصيات قانونية وحقوقية وسياسية، بينها النائب البريطاني المستقل جيريمي كوربين، تعكس اتساع دائرة التضامن مع الأسرى، وتزايد القناعة بأن ما يحدث داخل السجون لم يعد قضية فلسطينية وحدها، بل قضية عدالة إنسانية تستدعي تحركاً عاجلاً.
تركت مداخلة المحامي خالد محاجنة الأثر الأعمق في القاعة، بعدما نقل شهادات مباشرة من الأسرى الذين يزورهم، مؤكداً أن حديثه لا يستند إلى تقارير بعيدة، بل إلى لقاءات مستمرة معهم.
وقال إن الحرب على الأسرى أصبحت مساراً قائماً بذاته وموازياً للحرب على غزة، وإن العامين الأخيرين شهدا تصعيداً غير مسبوق طاول تفاصيل الحياة اليومية داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز.
وأوضح محاجنة أن الأسرى يواجهون عزلاً مشدداً وتجويعاً وحرماناً من الحقوق الأساسية، إلى جانب تهديد دائم بالموت أو الإعدام، بينما تعيش عائلاتهم حالة انتظار وقلق بسبب انقطاع الزيارات وغياب المعلومات.
واعتبر أن إسرائيل لا تحتاج عملياً إلى قوانين جديدة للإعدام، لأن عدداً من الأسرى يواجهون بالفعل خطر الموت اليومي نتيجة الجوع والإهمال الطبي والعنف وظروف الاعتقال القاسية.
واستعاد محاجنة قصة الصحافي الفلسطيني محمد عرب، الذي طلب منه خلال إحدى الزيارات أن يصف له ملامح وجهه لأنه لم ير نفسه في مرآة منذ فترة طويلة.
بدت الحادثة، كما رواها، اختصاراً قاسياً لحجم الانتهاك النفسي والإنساني داخل السجون.
كما تحدث عن زيارته الأخيرة للأسير مروان البرغوثي، وقال إنه وجده منشغلاً بأوضاع الأسرى الآخرين أكثر من انشغاله بنفسه، رغم سنوات العزل الطويلة.
وخلص إلى أن الرسالة التي يسمعها من الأسرى، على اختلاف أماكن احتجازهم، تختصرها كلمة واحدة: " أنقذونا".
قوانين الإعدام والمسار القانونيفي غضون ذلك، اعتبر البرغوثي أن مشاريع القوانين الإسرائيلية المتعلقة بإعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن فصلها عن بنية الفصل العنصري القائمة منذ عقود.
وقال إنّ جوهر هذه البنية يقوم على وجود منظومتَين قانونيتَين مختلفتَين لشعبين يعيشان في الجغرافيا نفسها، بحيث يصبح الفلسطيني وحده عرضة لعقوبة الإعدام ضمن تشريعات تمييزية.
ورأى البرغوثي أنّ هذه القوانين" تعكس نزعة انتقامية متصاعدة داخل المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر 2023، وتحولاً خطيراً يتجاوز حدود الحكومة إلى قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية والمجتمع"، كما دعا إلى تحقيقات دولية مستقلة في الشهادات المتعلقة بعمليات إعدام ميداني لمعتقلين فلسطينيين من دون محاكمة.
أما رئيس مركز العدالة الدولية للفلسطينيين، طيب علي، فركّز على البعد القانوني للتشريعات الإسرائيلية الجديدة، معتبراً أن خطورتها لا تقتصر على عقوبة الإعدام نفسها، بل تمتد إلى تصميمها لاستهداف فئة محددة على أساس الهوية القومية.
وقال إنّ النصوص المطروحة تنشئ عملياً مسارَين قانونيَّين، أحدهما للفلسطينيين والآخر للإسرائيليين اليهود في المنطقة نفسها، بما يقوض مبدأ المساواة أمام القانون.
وحذر علي من أنّ فرض الإعدام الإلزامي في بعض الحالات يلغي سلطة القاضي التقديرية، بينما تثير المحاكم العسكرية التي قد تنظر في هذه القضايا أسئلة جدية حول ضمانات المحاكمة العادلة، خصوصاً مع نسب الإدانة المرتفعة وقبول أدلة لا تُعتمد عادة في الأنظمة القضائية العادية.
واعتبر أن تسريع إجراءات التنفيذ يفرّغ حق الاستئناف والمراجعة القضائية من مضمونه.
تجريم التضامن ورسالة الأسرىإلى ذلك، تناول الناشط الفلسطيني والمتحدث باسم أسطول" صمود"، سيف أبو كشك، البعد السياسي والإعلامي للحرب، وقال إنّ إسرائيل تسعى إلى تجريم الأصوات التي تكشف ما يجري، وإلى تفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات منفصلة تعزل الأسرى وغزة والاستيطان واللاجئين عن جذور الصراع، كما رأى أن التواطؤ السياسي والإعلامي الغربي يطيل أمد المأساة، مشدداً على أهمية التضامن الشعبي العالمي في مواجهة هذا الواقع.
بدورها، روت الناشطة الحقوقية كاترينا غراهام تجربتها مع أسطول" صمود" لكسر حصار غزة، وما تعرّضت له من اعتقال ومضايقات.
وقالت إن جواز سفرها الأوروبي وصفتها الحقوقية لم يمنعا سوء معاملتها، معتبرة أن ما عاشته يبقى محدوداً أمام ما يواجهه الأسرى الفلسطينيون يومياً، وتساءلت: " إذا كان هذا يحدث للمتضامنين، فماذا يحدث للفلسطينيين داخل هذه المنظومة؟ "واختتمت الندوة برسالة مشتركة بين المتحدثين: الحرب على الأسرى الفلسطينيين مستمرة بعيداً عن الأضواء، وتصاعدها منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 يجعل التحرك الدولي أكثر إلحاحاً.
وبين القانون والسياسة والشهادة الإنسانية، بقي الصوت الأوضح هو ما نقله محاجنة عن الأسرى أنفسهم: " أنقذونا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك