الاتفاق المفاجئ لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و" حزب الله"، وبعد أقل من ثلاث ساعات على تهديدات رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه، يسرائيل كاتس، جعل الوضع في إسرائيل أكثر إرباكاً وضبابية، وفي الوقت نفسه سبب إحراجاً كبيراً لنتنياهو، الذي هدد بتكثيف وتوسيع القتال والاستمرار بالسيطرة على حزام أمني، وهدد كاتس بعدم التراجع في عمليات جيشه وإبقاء السيطرة من البحر حتى قلعة شقيف.
فور الإعلان عن وقف النار، أعلن مسؤول إسرائيلي أن تل أبيب وافقت عليه، لكنها تبقى في جنوب لبنان، وتكون لها حرية عمل للعمل ضد تهديدات آخذة بالتشكل ضد قوات الجيش، بينما قال الناطق بلسان الجيش إن قواته مستمرة في القتال طالما لم تتلقَّ تعليمات جديدة من المستوى السياسي.
تغيرات سريعة إثر جهود مكثفة لضمان تحقيق هدف إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق لتحديد موعد جديد للقاء سويسرا للتوقيع على مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية بعد عدم انعقاده الجمعة، في أعقاب تكثيف الهجوم الإسرائيلي على لبنان، علماً أن بلدات الشمال لم تشهد إطلاق صواريخ من لبنان على مدار أكثر من 48 ساعة.
وبغض النظر إذا سينجح اتفاق وقف النار أم لا، بالنسبة إلى إسرائيل، فإن إلغاء اجتماع الجمعة في سويسرا فرصة لها لإدارة محادثات مع واشنطن لبلورة استراتيجية جديدة لها في لبنان تضمن بقاءها في حزام أمني يحدد لاحقاً وحرية سلاح جوها في لبنان تحت ذريعة ضمان أمن السكان والحدود.
الكابينت المقلص الذي عقد مساء الخميس لم يحسم في الخلافات الداخلية تجاه لبنان إزاء موقفين متباينين: الأول يريد فك الارتباط مع الولايات المتحدة واتخاذ خطوات مستقلة تضمن تحقيق أهداف إسرائيل في لبنان وبقاء السيطرة حتى نزع كل سلاح" حزب الله" وإلغاء الحصانة على الضاحية وبيروت وأي منطقة أخرى في لبنان، وقد انعكس ذلك ليس فقط في مواقف الوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إنما وزراء وأعضاء كنيست من حزب الليكود الحاكم الذين دعوا إلى إحراق كل لبنان وتدمير كامل للضاحية وبيروت.
أما الموقف الثاني، وهو مدعوم من نتنياهو، فيسعى إلى التوصل لتفاهمات مع واشنطن حول استراتيجية جديدة تضمن أمن الحدود وسكان الشمال، وفيها تبقى منطقة في لبنان تحت السيطرة الإسرائيلية.
المؤسسة العسكرية، من جهتها، اعتبرت قرارات المستوى السياسي هدراً لحياة الجنود بعدما اضطر الجيش إلى تغيير تعليمات فتح النار وفق مذكرة التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران.
وبحسب مسؤول عسكري، فإن تعليمات فتح النار تقتصر على إزالة التهديد في لبنان، وهو ما أدى إلى تقليص قدرة الجيش على منع هجمات" حزب الله"، ومع التطورات الأخيرة في لبنان اعتبر الجيش نفسه في حالة ضياع داخل لبنان وصورة ضبابية لا تحسم له أي قرار لتنفيذ العمليات.
ومع الإعلان عن وقف النار تعالت الاحتجاجات ضد المستوى السياسي، ونتنياهو تحديداً، وطالب وزراء وأعضاء كنيست بخطوات فورية تخرج إسرائيل من تعلقها بواشنطن وقرارات ترمب، وتغلغلت الحملة ضد نتنياهو بين المعارضة، فزعيم حزب" الديمقراطية"، يائير غولان، حذر من" استمرار سياسة نتنياهو التي حوّلت الجنود إلى جدار الحماية السياسي الخاص به.
مقاتلون وقادة يدفعون بحياتهم ثمن بقائه السياسي".
وقال يائير غولان" سنتان و8 أشهر من حرب بلا حسم، بلا انتصار وبلا أمن"، فيما اعتبر رئيس حزب" إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، عدم حسم المعركة عسكرياً وتدمير الضاحية يشكل فشلاً كبيراً.
وزير في حكومة نتنياهو حذر من استمرار سياسة حكومته، وقال إن الأصوات المعارضة ضد الحكومة غير مسموعة، وهذا يشكل خطراً كبيراً على أمن إسرائيل، " ممنوع الانجرار إلى سياسة رد فعلية ضد 'حزب الله'.
يجب جباية ثمن باهظ من دولة لبنان نفسها.
الأمور قيلت أيضاً في الكابينت.
يجب زيادة الضغط على دولة لبنان أيضاً، لكي تضغط هي بدورها على 'حزب الله'، لكن أحداً لم يتجاوب، بل وافقوا على وقف النار".
" استسلام أميركي وفشل إسرائيلي"في ذروة الوضع الأمني تجاه لبنان، واصلت إسرائيل مناقشة مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، محذرة من بعض بنودها لانعكاساتها الخطيرة على إسرائيل.
من وجهة نظر إسرائيلية، تعد مذكرة التفاهم وثيقة سيئة جداً.
وعلى النقيض مما يقوله ترمب، فهو" اتفاق استسلام أميركي"، على رغم أن إيران كانت في الجانب الخاسر في ساحة المعركة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)الخبير العسكري عاموس هرئيل يرى أن مذكرة التفاهم لا تجيب عن متطلبات كثيرة، والمسألة الأكثر أهمية في الاتفاق هي مصير اليورانيوم، سواء الـ440 كلغم المخصب بمستوى عالٍ أو بضعة الأطنان المخصبة بمستوى منخفض بشكل عام.
وبحسبه، " بمجرد حصول إيران على ما تحتاج إليه من وقف إطلاق النار ورفع العقوبات ورفع الحصار، يظهر التساؤل حول دوافعها لإبرام اتفاق نهائي يقتضي منها تقديم تنازلات.
ويفهم ضمنياً من المذكرة أن ترمب لا يتوهم القدرة على الحفاظ على نظام رقابة دولية لالتزامات إيران النووية".
رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب، د.
ميخائيل ميلشتاين، يعتبر الاتفاق فشلاً لإسرائيل، " إسرائيل قلقة، لكن الشرق الأوسط سعيد بالاتفاق.
وإيران و'حزب الله' يحتفلان بربط الساحات وحصر إسرائيل بين الحفاظ على الردع والدفاع عن الشمال".
وبرأيه فإن الاتفاق يعكس توازناً يميل إلى حد كبير لصالح إيران لأسباب عدة، بينها:- لم يقتصر الأمر على بقاء النظام قائماً، بل ازداد تطرفاً.
- قد يتحسن وضع النظام نتيجة الرفع المتوقع لجميع العقوبات وتعزيز المكاسب الاقتصادية.
- في الوقت الراهن، لا يزال التزام إيران في شأن الملف النووي غير واضح، وكما يبدو فسيكون من الضروري تخفيف تركيز اليورانيوم المخصب بدلاً من تسليمه، وهناك خطر" الإسراع" في امتلاك أسلحة نووية.
- تم التخلي عن النقاش المتعلق بالتهديدات الصاروخية، التي وصفها نتنياهو بأنها" تهديد وجودي".
- إيران تضررت بشدة، لكنها لا تزال تحتفظ بنفوذ إقليمي واسع، لا سيما في لبنان.
التداعيات على الجبهة الشماليةإعلان وقف إطلاق النار الجمعة وإلغاء لقاء سويسرا، بحسب الإسرائيليين، يعكس الدور الكبير الذي تفرضه إيران وأيضاً تعزيز مكانتها وقوتها، ويقول ميلشتاين إن لبنان بات ساحة اختبار مصيرية، ولا سيما مع سعي ترمب لإنهاء الحرب هناك، " القلق الأكبر يكمن في تصريح إيران بوضوح أنها لن توقع اتفاقاً نهائياً من دون إنهاء القتال في لبنان، وهو ما يتضمن انسحاباً إسرائيلياً، وتُهدد بالرد على أي هجمات ضد 'حزب الله'، بينما تحاول إسرائيل، من جانبها، كسر المعادلة وتُصرح بوضوح أنها لن تتوقف عن العمليات أو تنسحب".
وإزاء التطورات الأخيرة تبقى المعضلة الأساسية بالنسبة إلى إسرائيل ما سيقرره ترمب، وإذا سيأمر بإنهاء الحرب في الشمال، وكيف سيتصرف نتنياهو في مواجهة هذا المأزق الصعب بين المصالح الأمنية المتمثلة في الدفاع عن الشمال والحفاظ على الردع، وضرورة الحفاظ على التحالف مع واشنطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك