مع كل جولة جديدة من التصعيد العسكري في جنوب لبنان، تتسع الهوة بين لغة الميدان ومسار الدبلوماسية.
ففي الوقت الذي حصدت فيه الغارات الإسرائيلية عشرات القتلى والجرحى في عدد من البلدات الجنوبية والبقاعية، كانت الأنظار تتجه إلى منتجع بورغنشتوك السويسري حيث تُستأنف المحادثات الأميركية – الإيرانية، وسط رهانات إقليمية ودولية على إمكانية إنتاج مناخ سياسي ينعكس تهدئة على الجبهة اللبنانية.
التطورات الميدانية الأخيرة تؤكد أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال هشاً وعرضة للاهتزاز عند أول اختبار.
فكل من إسرائيل وحزب الله يتمسك برواية مختلفة لما جرى خلال الساعات الماضية، فيما ترتفع كلفة المواجهة على المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر من استمرار الاشتباك المفتوح.
ميدان مشتعل ورسائل متبادلةالغارات الإسرائيلية المكثفة على بلدات الجنوب والبقاع الغربي، وما نتج عنها من سقوط ضحايا مدنيين وعسكريين، تعكس قراراً إسرائيلياً بمواصلة الضغط العسكري وعدم الاكتفاء بقواعد الاشتباك التقليدية.
وفي المقابل، يؤكد حزب الله التزامه بوقف إطلاق النار، لكنه يربط ذلك بحق الرد على أي محاولة إسرائيلية للتقدم أو تثبيت وقائع ميدانية جديدة في المناطق الحدودية.
هذا التناقض في الروايات يكشف أن الطرفين لا ينظران إلى وقف النار بالمعنى نفسه.
فإسرائيل تعتبر أن أي نشاط عسكري للحزب يشكل خرقاً مباشراً للاتفاق، بينما يرى الحزب أن التصدي لأي توغل أو محاولة احتلال جديدة يدخل ضمن إطار الدفاع المشروع عن الأرض.
وبين الموقفين، يبدو أن الجبهة الجنوبية تحولت إلى مساحة اختبار يومي لمدى قدرة الوسطاء على منع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
التصعيد الحالي لا يبدو منفصلاً عن المسارات التفاوضية المفتوحة في أكثر من عاصمة.
فكلما اقتربت المفاوضات الأميركية – الإيرانية من محطة حساسة، ترتفع وتيرة الرسائل العسكرية المتبادلة في ساحات النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها لبنان.
كما أن التحضير لجولة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن يمنح التطورات الميدانية بعداً إضافياً.
إذ تسعى إسرائيل إلى تحسين شروطها التفاوضية عبر الضغط العسكري، فيما يراهن لبنان على المسار الدبلوماسي لتحقيق أهداف تتصل بوقف الحرب والانسحاب من المناطق المحتلة وتثبيت الاستقرار على الحدود.
عودة الصادرات… وإشارة إلى لبنان الجديدفي موازاة المشهد الأمني القاتم، برز حدث اقتصادي وسياسي لافت تمثل بإطلاق أول شحنة من الصادرات اللبنانية إلى جدة بعد رفع الحظر السعودي.
الكلمات التي أطلقها رئيس الحكومة نواف سلام من مرفأ بيروت لم تقتصر على البعد الاقتصادي، بل حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن لبنان الرسمي يسعى إلى إعادة بناء علاقاته العربية على قاعدة احترام سيادة الدول وعدم استخدام الأراضي اللبنانية منطلقاً لأي ضرر يطال الأشقاء.
هذه الخطوة تشكل مؤشراً إلى محاولة الدولة فتح نافذة أمل اقتصادية في وقت تتعرض فيه البلاد لضغوط أمنية هائلة، كما تعكس توجهاً رسمياً لإعادة وصل ما انقطع مع العمق العربي، وفي مقدمته المملكة العربية السعوديةفي خضم هذه التطورات، يكتسب موقف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى أهمية خاصة من خلال تشديده على حماية مؤسسات الدولة والتمسك بالدستور واتفاق الطائف.
فالرسالة الأساسية التي تتكرر في معظم المواقف الداخلية هي أن مستقبل لبنان لا يمكن أن يبنى على إدارة الأزمات العسكرية وحدها، بل على تعزيز دور الدولة في القرارين الأمني والسياسي.
وعليه، يقف لبنان اليوم عند تقاطع حساس: جنوب يشتعل تحت وطأة الغارات، ومفاوضات تراهن عليها العواصم المعنية، واقتصاد يحاول التقاط أنفاسه عبر البوابة العربية.
وبين هذه المسارات المتشابكة، يبقى السؤال الأساس: هل تنجح الدبلوماسية في فرض منطق التسويات، أم أن الميدان سيبقى صاحب الكلمة الفصل في رسم المرحلة المقبلة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك