إذا كان المطلعون على حياة الرسام الفرنسي بول غوغان (1848- 1903) يعرفون منذ كان على قيد الحياة أنه حفيد الكاتبة والمناضلة الاجتماعية والنسوية فلورا تريستان، وكانت هي التي، حتى من دون أن يلتقيها أبداً إذ رحلت قبل ولادته بأربعة أعوام، ربطته ببيرو في أميركا الجنوبية.
كانت تريستان أيضاً في خلفية هجرة غوغان مرات ومرات طوال حياته إلى تلك الجزر الباسيفيكية البعيدة من العالم، التي بوحي من ذكراها توجه فنه نحو تجديد افتتن به عالم الفن.
لكن الجمهور العريض بقي لزمن طويل على جهل بتلك الجزئية من حياة غوغان، وربما حتى، خارج فرنسا في الأقل، بكل ما يتعلق بحياة تلك المرأة الاستثنائية، حتى اليوم الذي طلع فيه الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا برواية له عنوانها" الجنة أبعد قليلاً" كان من أجمل ما فيها أنها أعادت إلى الواجهة" علاقة" تلك السيدة الرائعة بالرسام الفرنسي الكبير.
غير أن ذلك الحدث الأدبي الكبير، سرعان ما أدى إلى طرح سؤال بديهي: لماذا لم يتحدث غوغان أبداً عن جدته ولم يرسم لوحة لها، بل لماذا، على أهميتها الفائقة في تاريخ الحركة العمالية الفرنسية، لم يشر إليها وإلى شخصيتها ونضالاتها بل حتى إلى غرابة حياتها وعلاقاتها أو، بالأحرى، انتظر شهوراً قليلة سبقت موته عند بدايات القرن الـ20 لكي يأتي أخيراً على ذكرها.
والأدهى من ذلك، بقدر كبير من الحيادية التي أثارت غيظ كثيرين؟بل لعل علينا أن نذكر هنا أيضاً أن مناسبات عمالية عديدة قامت في فرنسا خلال الأعوام الأخيرة من القرن الـ19 والأعوام الأولى من القرن الـ20، واحتفالات بذكرى فلورا ونهايتها، لا سيما فضحها للأحوال بالغة السوء التي تعيشها الطبقة العاملة في بريطانيا، عن صدور كتب ودراسات عنها خلا معظمها تقريباً من أي ذكر لغوغان ودوره في حياتها.
فإن حدث ومر ذكره فإنه يمر من دون احتفالية أو حتى من دون وقفة تليق بالعلاقة التي سنعرف لاحقاً أنها كانت وثيقة في مخياله، مع تلك الجدة التي كانت والدة أمه.
فما الحكاية؟في الحقيقة لسنا ندري أبداً كيف نبرر هذا كله.
ومن هنا ربما علينا منذ ربع قرن أن نعتمد على رواية بارغاس يوسا مكتفين بما يرويه لنا.
أما بالنسبة إلى غوغان فعلينا، في انتظار دراسات تجلو لنا الحقيقة الكاملة، أن نتكل على ذلك النص الذي يبدو لنا اليوم أشبه بملحمة عائلية موجزة، إذ يحكي فيه غوغان عن جدته ولكن ضمن إطار توضيح حكاية عائلته، وبالتحديد عبر نظرات آخرين إليها، وكأنه هو لم يعرفها عن كثب بأن يجمع معلوماته من هنا وهناك! ويسري هذا على مدخل كلام غوغان عن تلك الجدة.
عن فلورا تريستان، التي نجد غوغان يستعيد في شأنها منذ البداية ما كان زعيم التيار الفوضوي في الاشتراكية، برودون يقوله عنها، إذ يبدأ غوغان حديثه على الشكل التالي، " لقد كان برودون يقول عنها إنها كانت تتمتع بعبقرية لافتة.
وبما أنني لا أعرف شيئاً عن هذا الأمر، سأسلم أمري إلى برودون وأنقل عنه".
وما ينقله غوغان عن برودون ليس بالشيء اليسير لأن من بينها أنها كانت هي الفاعل الحقيقي وراء تكوين العديد من المنظمات الاشتراكية ومن بينها أول اتحاد للعمال عرفته فرنسا.
وعن هذا يعلق غوغان قائلاً، " ربما لم تكن فلورا تحسن الطبخ، لكنها كانت من بطلات جمعيات الجوارب الزرق التقدمية على الطريقة الفرنسية"، أي على طريقة التيار الفوضوي الذي كان برودون يتزعمه، ما يبرر كون غوغان يستعير حكاية جدته مما يرويه برودون.
غير أن الأطرف من ذلك هو ما يفيدنا به غوغان هنا من أن فلورا وصديقها انفانتان، وريث سان سيمون في التيار الاشتراكي السانسيموني، لا سيما قائد حملة السانسيمونيين الاشتراكية إلى مصر، التي كانت المبادر الحقيقي في مشروع شق قناة السويس مع عضو الجمعية المهندس المصري محمد مظهر، كانا معاً أول من اخترعا العلاقات الحميمة غير الزوجية، التي لا تزال معترفاً بها قانونياً في فرنسا، وذلك انطلاقاً من تزعمهما طائفة دينية شكلاها معاً وسمياها" ما با".
وإذ يقول غوغان هذا، ينتهي به الأمر مبتسماً ليقول إنه لا يعرف كيف يفرق هنا بين الحقائق والخيالات، لكنه يروي ما نقل إليه على عواهنه.
" لقد ماتت فلورا في عام 1844 وكانت هناك جماعات ووفود طويلة عريضة في جنازتها".
أما ما يمكنني، يضيف غوغان، أن أقوله فهو إنها كانت امرأة جميلة ونبيلة إلى حد كبير.
وهي أنفقت كل ثروتها على القضية العمالية، وكانت تتنقل من دون هوادة بين البلدان.
وكان من أهم سفراتها تلك التي قامت بها إلى بيرو لتقابل عمها المواطن المقيم هناك من دون بيو دي تريستان دي موسكوزو من آل أراغون.
ويتابع غوغان حكايته هنا منتقلاً من جدته إلى ابنتها، أمه، ليخبرنا أن" طفلتها، أي أمي ترعرعت طوال طفولتها في مأوى يسمى باسكان، كان يعرف عنه أنه يخضع لإدارة جمهورية تقدمية.
وهناك في هذا المأوى تعرف عليها والدي الذي كان يعمل في الكتابة الصحافية في ذلك الحين".
وهنا يتساءل غوغان عما إذا كان أبوه خلال عام 1848 قد حدس بالأحداث المقبلة، أي ثورة ذلك العام التي أخفقت وبدأ اضطهاد التقدميين على إثر ذلك الإخفاق، " فقرر أبي أن يهاجر إلى بيرو وفي نيته أن يؤسس هناك صحيفة يعبر عن نفسه فيها ويعيش منها".
ولا يبدو على غوغان هنا أنه على علم بالدور الذي يمكن أن تكون ذكرى فلورا وسنواتها ومن يعرفونها هناك قد لعبته في اتخاذ الأب ذلك القرار، لكنه اتخذه بعد سلسلة اتصالات أجراها.
غير أن الأب لم يصل إلى غايته" فلقد شاء سوء طالعه أن يقع على نقيب في الميناء سامه شتى أنواع العذاب وواصل مطاردته حتى وصوله على الباخرة إلى مضيق ماجلان، وكان أن أسلم روحه هناك وهو يعاني ما يعانيه من ذلك النقيب الذي سيعرف لاحقاً بالنسبة إلى أفراد العائلة بأنه كان من أعداء فلورا تريستان الحاقدين عليها! ".
وعلى هذا النحو تنتهي رواية غوغان المتعلقة بجدته وبأمه وأبيه ليبدأ في المقابل حكايته هو مع بيرو التي نعرف أنه قصدها في عام 1849 ليبقى فيها خلال المرة الأولى حتى عام 1854.
الحقيقة أن هذا موضوع آخر، غير أن المهم في الأمر هنا أن تلك الحكاية العائلية وحكاية فلورا كما باتت معروفة على لسان غوغان نفسه، تأتي لتفسر أخيراً تلك العلاقة الغامضة للرسام بذلك البلد الأميركي اللاتيني، التي دائماً ما ترد في سيره المختلفة تاركة علامات تساؤلات حول كيف؟ ولماذا؟ ومن أين أتت تلك العلاقة بين الرسام الفرنسي وذلك البلد البعيد؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك