مع استمرار الحرب بين الجيش وقوات" الدعم السريع" لأكثر من 38 شهراً، تزداد مخاوف سكان مدن العاصمة السودانية الثلاث الخرطوم وأم درمان وبحري، إلى جانب بعض الولايات التي شهدت مواجهات عسكرية عنيفة، بخاصة في وسط البلاد، من تعرضهم لأخطار الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة وغير المتفجرة التي تنتشر بصورة واسعة في الطرقات العامة والمنازل المهجورة وتحت الأنقاض، في مؤشر إلى تعقيد التهديدات من دون وجود وعي كاف بأخطارها.
وفي إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، يواصل المركز القومي لمكافحة الألغام أعمال إزالة وتفكيك تلك الألغام وسط اتهامات بتباطؤ إنهاء هذه الأخطار في ظل زرع كميات هائلة منها أثناء الصراع الدائر بين الطرفين، خصوصاً قوات" الدعم السريع" خلال سيطرتها على مساحات واسعة من العاصمة.
وبالموازاة يوجه المركز القومي لمكافحة الألغام إرشاداته التوعوية بين السكان وحثهم على الإبلاغ عن أي جسم غريب مع تجنب الاقتراب أو اللمس، إضافة إلى تحذيراته من حرق النفايات داخل الأحياء خشية وجود مخلفات غير متفجرة، إلا أن العمل يواجه تحديات معقدة أبرزها ضعف التمويل.
في الأثناء، لقي طفل يبلغ من العمر 14 سنة حتفه في أحد أحياء أم القرى بولاية الجزيرة قبل أيام، إثر انفجار جسم غريب لم يتعرف المواطنون على نوعه حتى الآن، على رغم التحذيرات من التعامل مع الأجسام المشتبه فيها.
ووفقاً لتقارير أصدرها ناشطون ومتطوعون في المجال الإنساني، فقد حولت" الدعم السريع" بعض القرى في ولاية الجزيرة إلى مراكز للعمليات العسكرية وتخزين الأسلحة والمعدات الحربية حين بسطت نفوذها على ولاية منذ نهاية عام 2023 وحتى مطلع 2025.
لاحقاً أشارت الأمم المتحدة في أحدث تقاريرها إلى تصنيف سبع مناطق في العاصمة الخرطوم ضمن المناطق الخطرة بسبب انتشار الألغام ومخلفات الحرب، إذ يوجد نحو 10 في المئة من المقذوفات التي استخدمت في الحرب لم تنفجر بعد، مما يزيد من حجم التهديد الذي يواجه السكان، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن مناطق واسعة غرب البلاد لا تزال خارج نطاق عملياتها الخاصة بإزالة ومكافحة الألغام بسبب الأوضاع المعقدة.
في السياق، يقول أنور محمود وهو متطوع في العمل الإنساني يسكن ضاحية بري شرق الخرطوم، إن" حوادث انفجارات الألغام، التي تقع من وقت لآخر سواء داخل العاصمة أو الولايات الأخرى، تشكل خطورة بالغة على حياة السكان خصوصاً في ظل العودة غير المسبوقة بعد رحلات نزوح ولجوء أكملت ثلاثة أعوام من الشتات وضيق العيش".
وأضاف محمود أن" انتشار الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة وغير المتفجرة تعد كارثة صامتة تتربص بالمواطنين تحت التراب ومن بين الأنقاض والحشائش وداخل المنازل الخالية من سكانها، وفي الأماكن المفتوحة، لا سيما أن الحوادث التي وقعت وراح ضحيتها عشرات المدنيين من بينهم أطفال تعتبر جرس إنذار بشدة خطورة الألغام".
ومضى المتطوع بالعمل الانساني في القول" ظللنا نسمع بانفجارات الألغام بصورة متواصلة على رغم أن السودان لديه وحدة في مكافحة الألغام، ويبدو أن هناك نوعاً من البطء في التعامل معها من واقع الحال.
وفي تقديري من المفترض أن تكون إزالة الألغام هي المهمة الأبرز في أجندة الدولة في ظل تطبيع الحياة، إذ إن هناك أخطاراً بيئية وصحية ناجمة عن تراكم مخلفات المباني المدمرة التي تعد مؤشراً إلى تعقيدات التهديدات مع تواصل تدفقات السكان من دون وجود وعي كاف بالأخطار التي يمكن أن تحدق بهم خصوصاً فئة الأطفال".
من جهته، توقع المتخصص في عمليات الألغام لدى الأمم المتحدة معتز عبدالقيوم أن" يظل خطر الألغام في سياق الحرب المستمرة في السودان موجوداً يهدد المواطنين في ولاية الخرطوم والولايات الأخرى التي شهدت عمليات عسكرية محتدمة، وعلى رأسها ولاية الجزيرة، لفترة طويلة قد تصل إلى 10 أعوام، ما لم ينظم عمل حقيقي منظم ودقيق وباحترافية عالية لتفكيك الألغام ونزعها تماماً".
ولفت عبدالقيوم إلى أن" العمل في إزالة الألغام داخل العاصمة يحتاج إلى فرق مدربة تمتلك موارد ومعدات تساعد على إعداد وتنفيذ العمل على الأرض بنحو سريع وفعال".
ورأى أن" عمل الفرق المتخصصة التي لديها أجهزة حديثة وخطة شاملة يساعد في سد الفجوة الزمنية، وبالتالي تحقيق نتائج جيدة في وقت وجيز، بينما إذا استمر العمل على ما هو فإن النتيجة النهائية تحتاج إلى وقت طويل".
واستطرد المتخصص في عمليات الألغام" المشكلة الأبرز التي تواجه العمل في إزالة الألغام هي نقص التمويل، إذ إن الجهات المانحة لا تدفع المال في مثل هذه الظروف، ومن المعلوم أن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لها شروط سلامة معروفة لا يمكن تجاوزها، كذلك تطبيق شروطها غير متاح حالياً في السودان من خلال دفع أموال طائلة في عمل إزالة الألغام إلا بعد وقف الحرب وإحلال السلام، ولهذا تفضل المنظمات أن تدعم مثل هذه الأعمال في ظل سلام مستدام".
على نحو متصل، أفاد خالد حمدان المدير السابق للمركز القومي لمكافحة الألغام في السودان، بأن هناك عديداً من حقول الألغام في وسط الخرطوم وأطرافها بخاصة منطقة المقرن والكدرو ببحري والجيلي بالريف الشمالي، عازياً التأخير في إزالتها على رغم مرور عام على تحرير الخرطوم، إلى تعقيدات الميدان وعقبات تفوق الإمكانات في ظل الوضع الراهن.
وأردف حمدان" الألغام التي توجد في وسط الخرطوم ومنطقة المقرن من النوع المضاد للأفراد، إذ إن هذا النوع ذو خطورة عالية تتطلب تعاملاً دقيقاً للغاية لأن المنطقة ممتلئة بقطع حديد تجعل الكاشفات تطلق أصواتاً باستمرار، مما يبطئ عمل الفرق في التفريق بين الألغام والحديد".
وأشار مدير مركز مكافحة الألغام السابق إلى أنه" لم يجر حتى الآن إعلان ولاية الخرطوم خالية نهائياً من الألغام، خصوصاً منطقتي الجيلي والكدرو، إضافة إلى بعض الأحياء التي يتوقع وجود مخلفات حربية داخلها بسبب أن المنازل لا تزال مهجورة، إذ تواجه فرق الإزالة صعوبة في تفتيشها".
من المعروف أن الألغام تنقسم إلى نوعين هما الألغام المضادة للأفراد والمضادة للمركبات، وتعرف الألغام المضادة للأفراد بأنها كل لغم صمم لينفجر بسبب لمس إنسان له أو الاقتراب منه، وتكمن خطورتها في انفجارها بضغط خفيف جداً يتراوح بين 5 و15 كيلوغراماً فقط، إذ تصنع بأحجام صغيرة مما يسهل نشرها في مساحات واسعة وبكميات كبيرة، بينما المضادة للمركبات تحتاج إلى ضغط كبير يزيد على 100 كيلوغرام، وبسبب هذه الخصائص تشكل الألغام المضادة للأفراد تحديداً خطراً داهماً حتى بعد وقف الحرب.
وفي عام 1997 أبرمت اتفاقية حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل هذا النوع من الألغام مع تدميرها، ودخلت حيز التنفيذ في عام 1999 بعد أن وقعت عليها 133 دولة منها السودان، إلا أن طرفي الصراع قاما بنسف هذه الاتفاقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك