القدس العربي - لقاء إيراني أمريكي قطري في سويسرا بشأن لبنان والأصول المجمّدة القدس العربي - كاتس: لا قيود تمنع الجنود الإسرائيليين من “إزالة التهديدات” في لبنان DW عربية - "الحلم الألماني" .. شباب مغربي يختار الهجرة بوابة للمستقبل وكالة الأناضول - إيران: بدء المفاوضات غير ممكن ما لم تنتهِ الحرب على لبنان قناه الحدث - لقاء إيراني أميركي قطري في سويسرا بشأن لبنان والأصول المجمّدة العربي الجديد - لوكا زيدان لم يخسر ثقة بيتكوفيتش رغم "هاتريك" ميسي قناة العالم الإيرانية - عقد 3 لقاءات ثنائية للفريق التفاوضي الإيراني مع الوسطاء في سويسرا العربي الجديد - تداعيات عودة العراق لقائمة "فاتف" الرمادية. التلفزيون العربي - حلب.. نساء سوريات يحيين فن الفسيفساء ويحافظن على التراث العريق العربية نت - لقاء إيراني أميركي قطري في سويسرا بشأن لبنان والأصول المجمّدة
عامة

1]...عراقيات في شراك شبكات الإقراض غير القانوني

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

جراء الضغوط الاقتصادية المتصاعدة وعجز القانون فضلاً عن غياب الدولة، تتفشى ظاهرة المرابين الجدد وهم شبكات من المقرضين يستغلون فئات هشة ويمنحونها أموالاً بفائدة تراكمية كما يوثّق الجزء الأول من الملف في...

جراء الضغوط الاقتصادية المتصاعدة وعجز القانون فضلاً عن غياب الدولة، تتفشى ظاهرة المرابين الجدد وهم شبكات من المقرضين يستغلون فئات هشة ويمنحونها أموالاً بفائدة تراكمية كما يوثّق الجزء الأول من الملف في العراق.

- بعد ثلاثة عقود أمضتها العراقية هيام (نكتفي بذكر اسمها الأول حفاظاً على سلامتها الشخصية) في العمل مشرفة تربوية في محافظة الديوانية جنوبي العراق، وجدت نفسها في سن الستين بلا دخل تعاني شظف العيش، في انتظار استكمال إجراءات تقاعدها، وجراء تأخر المستحقات لأشهر، وتحت ضغط الحاجة الملحة، اقترضت خمسة ملايين دينار عراقي (3800 دولار أميركي) من سيدة تعرفت عليها عبر زميلتها في العمل، وتقدم نفسها بأنها تعمل في بيع الذهب والإقراض.

بعد الحصول على القرض كان يفترض أن تنتهي معاناة هيام المالية، لكن حياتها تبدلت إلى الأسوأ من وقتها، فقد غرقت في دين بفائدة 100% كما تروي لـ" العربي الجديد" موضحة أن الاتفاق كان بأن ترد إلى المُقرضة 10 ملايين دينار عراقي (7600 دولار) على أن تسدد شهرياً 750 ألف دينار (570 دولاراً)، إلا أن تأخر راتب التقاعد لمدة عامين بسبب الإجراءات الروتينية ولكونها متقاعدة تحت بند الظروف الصحية، تعثرت في السداد فتصاعدت ضغوط المُقرضة لتضطر هيام إلى استدانة مبلغ من سيدة أخرى تبيّن لاحقاً أنها تعمل مع المقرضة الأولى ضمن شبكة من المرابين.

وتلك أفعال تنتهك القانون العراقي، وفق ما يوضحه القاضي والدكتور حبيب إبراهيم حمادة، مشيراً إلى أن التكييف القانوني لجريمة المراباة يوجب فرض العقوبة الجزائية المقررة بحق فاعلها بغض النظر عن الطريقة المتبعة بارتكابها، سواء كانت عبر إخفاء الفعل غير المشروع أو من خلال تنظيم مكاتبة تحريرية وادعاء شراء منقولات، مضيفاً عبر الموقع الإلكتروني لمجلس القضاء الأعلى، أن المشرع العراقي عالج جريمة المراباة بموجب أحكام المادة 465 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 والتي فرضت عقوبة الحبس أو الغرامة بحق كل من أقرض آخر نقوداً بأية طريقة بفائدة ظاهرة أو خفية تزيد على الحد الأقصى المقرر للفوائد الممكن الاتفاق عليها قانوناً، ومن ثم نسخت المادة وعدلت بأخرى برقم 68 لسنة 1997 محددة الحد الأدنى للعقوبة المقيدة للحرية في جريمة المراباة بالحبس لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، كما تم اعتبار الجريمة مخلة بالشرف.

وإلى ما سبق يضيف القاضي كاظم عبد جاسم الزيدي، مخالفة قانونية أخرى، معتمداً على أحكام المادة 57 من قانون المصارف التي لا تجيز ممارسة الأعمال المصرفية لغير المختصين مشيراً عبر المصدر ذاته، إلى أن أي شخص يمارس أنشطة مصرفية وعملاً من دون ترخيص أو إجازة مصرفية صادرة عن البنك المركزي العراقي يعدّ مذنباً ومعرّضاً للمقاضاة وتطبق بحقه عقوبة الاحتيال الواردة في المادة 456 من قانون العقوبات.

بدأت التعاملات بالفائدة مع الحضارات الأولى في بلاد الرافدين، واللافت أنه جرى تحديد نسبتها ففي زمن الكلدان كانت النسبة 20%، وفي عهد الأشوريين بين 12% و50%، وحددته وثائق سلسلة أناتيشو السومرية بـ20% سنوياً، كما جاء في دراسة تحليلية للأحوال الاقتصادية والاجتماعية بعنوان العراق القديم، أجراها مجموعة من الباحثين السوفييت عام 1986، ومما جاء فيها أن في عهد انفلاته تفكك المجتمع، وكان المرابون في كل طائفة أي بين الإداريين والكهنة والجنود.

ولتوضيح الأثر القوي للظاهرة تقدم الدراسة مثالا على أنه في عهد حكم سلالة حمورابي قبل الميلاد جرى شن حملة ضد المرابين بسبب دورهم في تقويض قوة المجتمع وتفكيك مدن البلاد.

وبعدما اختفت الظاهرة لفترة كبيرة، عادت بقوة بعد عام 2003، إذ شهدت البلاد تحولات اقتصادية واجتماعية واسعة، ما أدى إلى تردي الوضع المعيشي وازدياد فقر النساء، ويمكن فهم واقع المرأة العراقية المالي الهشّ، من خلال البيانات الواردة في الاستراتيجية الوطنية للمرأة العراقية 2023-2030 والتي وصفت فقرهن بأنه من أشد الآفات الاقتصادية والاجتماعية التي تنعكس آثارها السلبية على الأسرة والمرأة والأطفال، ولا سيما في المناطق الريفية والأسر التي تعيلها النساء والتي تشكّل 11.

33% من إجمالي الأسر العراقية.

كما أن مشاركة المرأة في سوق العمل متدنية على مستوى المنطقة والعالم إذ بلغت 10.

9%، بينما تبلغ نسبة مشاركة الذكور 72.

6% لعام 2025، بحسب بيانات البنك الدولي.

كل ما سبق، جعل النساء أكثر من يقع في شراك المرابين في العصر الراهن، كما يقول منار العبيدي، رئيس مؤسسة عراق المستقبل للدراسات والاستشارات الاقتصادية (بحثية غير حكومية)، مؤكداً قلة القروض البنكية الموجهة إليهن بسبب زيادة احتمالية تعثرهن، وهو ما يدفعهن للبحث عن بدائل غير آمنة.

وهذا هو حال العديد من العراقيات ومن بينهن هيام التي بعد تراكم الديون عليها، استدرجتها المُقرضة الأولى، إلى منزل في حيّ أم الخيل بمدينة الديوانية، تحت ذريعة وجود حالة إنسانية بحاجة إلى مساعدة جمعية خيرية للأطفال والأيتام والمعاقين كانت تديرها، لتُفاجَأ بخمسة أشخاص بينهم ثلاث سيدات، وفي ثوانٍ سحب أحدهم السلاح مهدداً إياها بالقتل إن لم توقّع على 30 صكّاً مالياً وعدة أوراق فارغة يمكنهم سجنها بواسطتها عبر ادعاء شراء منقولات وعدم سداد أثمانها، ولمّا توعّدتهم بفضح عملهم، رد حامل السلاح ببرود بينما يضعه على رأسها، قائلا: " نعم احنا بنشتغل بالفايظ وبناخذ حقنا خاوة".

من وقتها سددت هيام عشرات الملايين من الدينارات تفوق قيمة القرض الأصلية بكثير على حد قولها، لكن عبثاً أن تنتهي تبعات فوائد الدين المتراكمة، وما إن عجزت عن منحهم المزيد حتى تقدموا بشكوى عليها ليجري طلبها للتحقيق، وبدأت محاكمتها بموجب الدعوى رقم 1517/ج/2025 أمام محكمة جنح الديوانية منذ 24 فبراير/شباط 2025، ورغم أنها أقامت دعوى ضدهم في 4 فبراير 2025 كما يتضح في الملف الذي حصل عليه" العربي الجديد" والمسلم إلى قاضي محكمة تحقيق الديوانية، بيد أنها لم تنل حقوقها حتى اليوم.

وعلاوة على ما سبق، يبرز ما هو أشد خطورة ويتمثل في أن هيام لم تكن وحدها، فقد قادت شهادتها معدة التحقيق إلى تتبع خيوط قضية أوسع، ومن خلالها وثقت سبع حالات لنساء وقعن في فخ الشبكة ما يزلن عالقات في دوامة من الديون والفوائد المتراكمة، إلا أن الانتهاكات بحقهن كانت أسوأ، فقد وقع استغلالهن للقيام بأعمال منافية للآداب وتصويرهن لغرض ابتزازهن وضمان عدم لجوئهن الى السلطات الأمنية فيما فقدت أخريات كل ما يملكن، ومن بينهن رجاء مالكي (اسم مستعار حفاظاً على حياتها وسمعتها)، التي وقعت على وثيقة لبيع منزلها بعد ما أقنعتها المُرابية بأنه مجرد ضمان لرد الدين، ورغم أنها سددت المطلوب منها في النهاية، إلا أن المرابية رفضت التنازل عن المنزل وحوّلته باسمها دون علم الضحية التي حاولت الانتحار عدة مرات بعد ما طلقها زوجها عقب انكشاف الأمر، كما جرى لهيام التي تخلى عنها زوجها هي الأخرى بداعي الإساءة لسمعة الأسرة التي اقترضت من أجلها ولكونها لم تخبره بالقصة إلا بعد ما صارت داخل مراكز الشرطة والمحاكم.

المرابون يستغلون فقر النساءيحدد المصرف العراقي للتجارة TBI (حكومي) نسبة الفائدة على القروض الشخصية للموظفين الموطّنة رواتبهم لدى المصرف لديه بـ 5% وتزيد إلى 9% بالنسبة إلى غير المحولة رواتبهم، وتلك أرقام هينة بالمقارنة مع نسب المرابين المنتشرين في المجتمع العراقي، وفق إفادة المدعي العام في محكمة استئناف الأنبار صلاح مخلف واصفاً الظاهرة بالفاحشة المتفشية كما يعاين من خلال عمله، " والمؤسف صعوبة إثبات الجريمة"، وهو ما يؤكده القاضي حمادة، لكون المرابين على علم ودراية كاملة بمخالفة أحكام القانون لذا فإنهم يتبعون أساليب احتيالية بغية إخفاء الفعل غير المشروع، بإلزام المقترض بتوقيع صك من دون أن يكون مشتملاً على كافة البيانات الواجب توافرها في الصك ليقوم المقرض بإدراج تلك البيانات لاحقاً عند امتناع المقترض أو قد يبادر المقرض إلى تنظيم مكاتبة تحريرية بادعاء شراء المقترض لعقار أو منقول يعود للأخير أو غير ذلك من الأساليب الاحتيالية التي يكون الغرض منها إضفاء الصفة الشرعية على التصرف.

وما يفاقم الظاهرة جهل الضحايا بآليات الحماية القانونية وفق ما رصدته منى الهلالي، رئيسة منظمة أور لرعاية المرأة والطفل (غير حكومية)، من خلال خمس حالات لم يجدن سوى المنظمة للجوء إليها لكن حجم الفئة المتضررة أكبر بكثير، " وهذا ما نوثقه من خلال تجارب المشتكيات بشأن وجود ضحايا أخريات يعرفنهن، لكنهن بسبب ظروفهن الأسرية والعائلية لم يتقدمن بشكايات".

ومنهن من يغمسهن الابتزاز في مستنقع العصابات مثل ما حصل مع الثلاثينية نهلة (كما طلبت تسميتها حفاظاً على خصوصيتها)، والتي كانت تعمل في تنظيف منازل في بغداد لتطعم أطفالها الأربعة الذين لا يتجاوز عمر أكبرهم 10 سنوات، بعد أن توفي زوجها وترك لها ديون واجبة السداد أيضا، لترى العرض الذي قدمته جارة لها تعمل في بيع وشراء الأجهزة الكهربائية وسيلة للنجاة بأن تقرضها المال بفائدة كبيرة بمقابل عدم المطالبة بالأموال إلا حين الميسرة لسداد ديون زوجها.

بالفعل" حصلت على قرض بقيمة 6600 دولار، مقابل دفع فائدة شهرية تُحسب على أساس كل 100 دولار من المبلغ المقترض وفق أسعار السوق السوداء، وكانت الدفعات الشهرية تذهب لتغطية الفائدة فقط، بينما بقي أصل الدين ثابتاً إلى أن يُسدد كاملاً في نهاية المطاف" تروي نهلة التي لم تكن تدرك أن جارتها كانت تسعى لاستغلالها، فقد تبين لاحقاً أنها تقوم بالسمسرة لأحد المرابين من أصحاب المال، والأخطر أنها تمكنت من إقناعها بالتوقيع على مجموعة أوراق ادعت أنها مجرد ضمانات لحقوق الطرفين، وحين لم تستطع الإيفاء، انصاعت لفخ جارتها التي بدأت بتنفيذ وظيفتها السرية، وبين الإلحاح والتهديد، قررت الذهاب للقائه لعله يتعاطف معها ويساعدها في تخفيف ديونها كما تقول: " تظاهرت بالقوة والشجاعة وأنا أجلس أمامه، لكن الشيء الوحيد الذي قاله أنه سيراعي ظروفي إذا قدمت له جسدي".

انتهى اللقاء ولا تعرف نهلة كيف خرجت من ذلك المنزل، إلى أن وجدت نفسها في السيارة الى جانب الجارة التي كانت تحاول إفاقتها من الصدمة وكسر حاجز صمتها، تقول نهلة: كنت أشعر أنني أعيش كابوساً، وكان صوت جارتي أشبه بمسمار يدق في رأسي، وفي نهاية الأمر، وافقت على العرض الذي تبعته وعود أكبر من تخفيض الديون إن وافقت على العمل مع سماسرته من النساء لاستقطاب من يردن الاقتراض.

أثناء التحري عمّن يعملون في سوق الإقراض الربوي، التقى" العربي الجديد" الثلاثيني قاسم سليم، الذي دأب على إقراض آخرين وفق نسبة محددة، مشيراً إلى أنه لم يحصل على موافقة قانونية لممارسة عمله الذي يقوم به إلى جانب وظيفته الحكومية، قائلاً إنه يبيع الدولار كسلعة ويأخذ على كل 100 دولار نسبة 20% من المبلغ الكلي، وكلما سدد الدائن جزءاً فإن المبلغ الكلي ينخفض بمرور الوقت بعكس الطريقة التراكمية التي يعمل وفقها آخرون ويضرب مثالاً بمبلغ 800 دولار التي يضيف عليها المرابي فائدة 100% ليصبح إجمالي المبلغ المطلوب سداده 1600 دولار، ويسدد المقترض فوائد الدين كل شهر مع بقاء المبلغ الأصلي ثابت إلى حين الانتهاء من المبلغ الإضافي الذي يتضاعف ويكسب المرابي فائدة على الفائدة، بالتالي فإن المقترض يجد نفسه عاجزاً عن سداد المبالغ المتصاعدة.

تجبر شبكات المرابين المقترضات على توقيع صكوك تستخدمها ضدهنيتابع أنه حين يعجز عن تلبية مطلب أحد المقترضين بتوفير مبلغ كبير، يلجأ إلى المرابين" وهم كثر ومعروفون"، على حد قوله، لكن من الصعب إيجاد دليل على ممارستهم، مع أن كثيرين يعرفونهم وثراؤهم مفضوح، نظراً لأنهم يستولون على سيارات ومنازل الضحايا بعد عجزهم عن السداد، بينما النساء اللواتي يلجأن إليهن يخضعن للابتزاز وتتعدد صوره حسب الضحية ومكانتها، وتتقاطع إفادته مع حالة وثقتها الحقوقية الهلالي التي قالت إن ضحية قصدت المنظمة طلباً للمساعدة وتعمل معلمة وكانت قد اضطرت إلى الحصول على قرض من المصرف ومنحته لخطيبها الذي حصل على المال وهرب، فوجدت نفسها مجبرة على السداد، وبدون علم أسرتها استدانت من مرابٍ عرفته بواسطة زميلتها، وبمجرد أن عجزت عن سداد الفوائد المتراكمة ساومها على حبسها أو أن تقدم له جسدها.

وبينما تمكنت الهلالي من التدخل لحماية السيدة هذه، إلا أغلب الضحايا تفضلن الصمت لأن المجتمع يلومها وتنسحب وصمة العار على أفراد أسرتها وقد يكون مصيرها القتل أو الانتحار ما يفتح الباب أمام مزيد من الضحايا في حلقة مفرغة تتغذى على فقر النساء، وعجز القانون وغياب الدولة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك