تولي جمهورية كوريا الشقيقة اهتماماً كبيراً بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتسخيرها كمحرك رئيس للابتكار والنمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، من خلال جهود متكاملة تقودها الجهات الحكومية والمؤسسات البحثية والشركات التقنية الرائدة، وعملت هذه الجهات على دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتصنيع والسلامة العامة والمدن الذكية والنقل والتعليم والخدمات الحكومية، وتسهم هذه المبادرات في تحسين جودة الخدمات ورفع كفاءتها، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات الكورية، ودعم التحول الرقمي المستدام، كما تسعى إلى جعل خدمات الذكاء الاصطناعي أكثر سهولة وإتاحة للمواطنين، عبر تطوير بنية تحتية رقمية متقدمة وتشجيع الابتكار والشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يضمن تحقيق فوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وتحسين جودة الحياة للمجتمع.
«الاتحاد»، وفي جولة ميدانية نظمتها وزارة الثقافة والرياضة والسياحة الكورية، تقف عن قرب على هذه التقنيات والتطبيقات المتقدمة، بهدف التعريف بأبرز إنجازات جمهورية كوريا الشقيقة في مجال الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي، وشملت الجولة زيارة عدد من الجهات والمؤسسات الرائدة التي تستثمر تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات والحلول الذكية، حيث استعرض المسؤولون والخبراء أحدث التطبيقات المستخدمة في مجالات الرعاية الصحية والتصنيع والمدن الذكية والسلامة العامة وغيرها، وأسهمت هذه الزيارات في تعزيز فهم المشاركين للدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في دعم التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة.
وقال سونغ ووك لي، أستاذ زائر مركز الذكاء الاصطناعي الفيزيائي للتصنيع قسم الهندسة الصناعية وهندسة النظم، جامعة KAIST: يُعتبر مختبر عرض الذكاء الاصطناعي الفيزيائي KAIST في جمهورية كوريا من المرافق البحثية المتقدمة، ويهدف إلى تطوير جيل جديد من تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على العمل في الواقع المادي وليس فقط داخل الحواسيب، ويركز المختبر على دمج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات والأجهزة الذكية بحيث تصبح الأنظمة قادرة على الفهم والتفاعل مع البيئة المحيطة بشكل مباشر.
وأضاف: يقوم مفهوم الذكاء الاصطناعي الفيزيائي على ربط «التفكير الذكي» بالقدرات الحركية والحسية، أي أن النظام لا يكتفي بتحليل البيانات، بل يستطيع أيضاً تنفيذ مهام فعلية مثل الحركة، والإمساك بالأشياء، والتعامل مع المعدات، لذلك يُستخدم المختبر لاختبار تقنيات الروبوتات المتقدمة والمصانع الذكية وأنظمة التشغيل الذاتي.
وتابع: يُعد المختبر بيئة تجريبية مهمة للباحثين والطلاب، حيث يتم فيه تطوير مشاريع تطبيقية في مجالات، مثل الروبوتات الصناعية، والمركبات الذاتية، وأنظمة الإنتاج الذكي، كما يتيح فرصة لتجربة الأفكار الجديدة قبل تطبيقها على نطاق واسع في الصناعة، مما يساعد على تقليل الأخطاء وتسريع الابتكار، كما يعمل المختبر على دعم فكرة «المصنع الذكي» من خلال أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إدارة الإنتاج والتشغيل بشكل تلقائي، وهذا يعني أن الروبوتات وأجهزة الاستشعار تتعاون معاً لاتخاذ قرارات فورية لتحسين الأداء وزيادة الكفاءة.
من جهته، قال هيونغ تشول لي، مدير معهد أبحاث الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بمستشفى جامعة سيول الوطنية: مستشفى جامعة سيول الوطنية أحد أهم المستشفيات الجامعية في جمهورية كوريا، يتبع هذا المستشفى لجامعة سيول الوطنية، ويجمع بين تقديم الخدمات الطبية المتقدمة، والتعليم الطبي، والبحث العلمي ويُعتبر من المراكز الطبية الرائدة في آسيا والعالم من حيث جودة الرعاية الصحية والتقنيات المستخدمة.
وأضاف: في السنوات الأخيرة، أصبح المستشفى من المؤسسات المتقدمة في استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، حيث يتم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة التشخيص، خصوصاً في تحليل صور الأشعة مثل الأشعة السينية (X-ray) والتصوير المقطعي، هذه الأنظمة تساعد الأطباء في اكتشاف الأمراض في مراحل مبكرة وتقليل نسبة الخطأ التشخيصي.
وأستكمل: يعمل المستشفى على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تعتمد على تحليل السجلات الطبية الإلكترونية، هذه الأنظمة يمكنها تلخيص الملفات الطبية الضخمة، واقتراح احتمالات تشخيصية، ودعم الأطباء في اتخاذ القرارات العلاجية بشكل أسرع وأكثر دقة، هذا النوع من التقنيات يسهم في تحسين كفاءة العمل داخل المستشفى وتقليل الضغط على الطاقم الطبي، بالإضافة إلى ذلك، يستخدم مستشفى جامعة سيول الوطنية تقنيات تحليل البيانات الضخمة لدراسة ملايين الحالات الطبية، من خلال ذلك، يتم تطوير نماذج تنبؤية تساعد في فهم تطور الأمراض وتحديد أفضل خطط العلاج لكل مريض بشكل فردي، وهو ما يُعرف بالطب الدقيق.
من جانبه، قال يون جونغ هو، من فريق الخدمات الذكية في مركز آنيانغ لتكامل المدن الذكية: يعمل المركز على ربط وإدارة العديد من الأنظمة الحضرية في مكان واحد، بما في ذلك الأمن والسلامة، وإدارة المرور، والاستجابة للكوارث، والخدمات البيئية، وشبكات الاتصالات، والخدمات الاجتماعية، ويتيح هذا التكامل مراقبة المدينة وإدارتها بصورة لحظية، مما يساعد على سرعة اتخاذ القرار وتحسين كفاءة الخدمات العامة.
وأضاف: يُعد الذكاء الاصطناعي أحد الركائز الأساسية للمركز، حيث يتم استخدامه في تحليل البيانات الضخمة الواردة من كاميرات المراقبة وأجهزة الاستشعار المنتشرة في أنحاء المدينة، ويساعد ذلك على اكتشاف الحوادث والمخاطر المحتملة بشكل أسرع، وتحسين إدارة حركة المرور، وتقديم خدمات أكثر دقة وفعالية للمواطنين، كما يضم المركز مرافق وتجارب تعليمية متقدمة تتيح للزوّار التعرف على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المدن الذكية، مثل الطرق الذكية الآمنة، وأنظمة النقل ذاتية القيادة.
تُعد وكالة التوظيف الكورية لذوي الاحتياجات الخاصة (KEAD) وكالة حكومية متخصّصة في دعم الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في جمهورية كوريا، حيث تعمل على توفير فرص العمل المناسبة لهم، وتقديم برامج التدريب المهني والتأهيل الوظيفي التي تساعدهم على الاندماج في سوق العمل.
وحرصت الوكالة على إدراج مناهج وبرامج تدريبية متخصّصة تهدف إلى إعداد الأشخاص ذوي الإعاقة للمهن المستقبلية.
تشمل المناهج التعليمية المقدمة أساسيات الذكاء الاصطناعي، مثل مفهوم تعلم الآلة، ومعالجة اللغة الطبيعية، وتحليل البيانات، بالإضافة إلى التعرف على التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات والشركات، كما يتعلم المتدربون كيفية الاستفادة من الأنظمة الذكية في تحسين الإنتاجية واتخاذ القرارات المهنية بشكل أكثر كفاءة.
ومن الجوانب المهمة في هذه البرامج التدريب على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل المساعدات الرقمية المعتمدة على النماذج اللغوية الكبيرة.
يُعد مركز Career Experience Programs Across the Life Cycle في جمهورية كوريا نموذجاً تعليمياً ومهنياً يهدف إلى دعم الأفراد في مختلف مراحل حياتهم المهنية، من مرحلة الدراسة والاستكشاف المهني إلى مرحلة التوظيف والتطوير الوظيفي المستمر، ويوفر المركز خبرات عملية تساعد المشاركين على فهم متطلبات سوق العمل واكتساب المهارات اللازمة للنجاح في المهن المستقبلية، خاصة في المجالات الرقمية والتكنولوجية الحديثة.
ويولي المركز اهتماماً كبيراً بتقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها من أهم المهارات المطلوبة في سوق العمل المعاصر، لذلك يشارك المتدربون في برامج تعريفية وتطبيقية تساعدهم على فهم مفاهيم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة في مجالات الأعمال والتعليم والخدمات والصناعة، كما يتعرفون على كيفية توظيف التقنيات الذكية في حل المشكلات وتحسين الأداء المهني.
وعبر البرامج التدريبية المتخصصة، يكتسب المشاركون مهارات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل إنشاء المحتوى وتحليل المعلومات وإعداد التقارير الذكية، كما يتدربون على كتابة الأوامر الفعالة للأنظمة الذكية والاستفادة منها في إنجاز المهام اليومية؛ مما يرفع من كفاءتهم وقدرتهم على التكيف مع بيئات العمل الرقمية الحديثة.
جامعة كوريا للتكنولوجيا.
مهارات المستقبلتعد جامعة كوريا للتكنولوجيا والتعليم (KOREATECH) والذكاء الاصطناعي، من الجامعات الرائدة في جمهورية كوريا الشقيقة في مجال التعليم التقني والتدريب العملي، حيث أُسست بهدف إعداد كوادر مؤهلة تمتلك المهارات التي تتوافق مع احتياجات سوق العمل والصناعة الحديثة، وتتميز الجامعة بدمج الجانب الأكاديمي مع التطبيق العملي، مما يمنح الطلاب فرصة اكتساب خبرات مهنية وتقنية متقدمة خلال فترة دراستهم.
وتولي الجامعة اهتماماً خاصاً بمجال الذكاء الاصطناعي، باعتباره من أهم التقنيات التي تقود التحول الرقمي والثورة الصناعية الرابعة، لذلك توفر برامج تعليمية متخصصة تُمكّن الطلاب من دراسة مفاهيم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، بما في ذلك تعلم الآلة وتحليل البيانات الضخمة ومعالجة اللغة الطبيعية والرؤية الحاسوبية، مما يساعدهم على تطوير حلول تقنية مبتكرة لمختلف القطاعات.
كما تسعى الجامعة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية نفسها، من خلال استخدام منصات تعليم ذكية تساعد على تحليل أداء الطلاب وتقديم محتوى تعليمي يتناسب مع احتياجاتهم وقدراتهم الفردية، ويسهم هذا النهج في تحسين تجربة التعلم وتعزيز مهارات التفكير والإبداع لدى الطلبة.
وتوفر الجامعة بيئة بحثية متقدمة تشجع الطلاب والباحثين على تنفيذ مشاريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الذكية، ويشارك الطلبة في تطوير تطبيقات وأنظمة حديثة تخدم الصناعة والتعليم والخدمات، مما يعزز قدراتهم العملية ويؤهلهم للمنافسة في سوق العمل العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك