أثار إدراج العراق من مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) على القائمة الرمادية الخاصة بالدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بعد رصد أوجه قصور تتطلب اتخاذ إجراءات إصلاحية إضافية، مخاوف بشأن انعكاسات القرار على بيئة الأعمال وجاذبية الاستثمار الأجنبي في البلاد.
ووفقاً لبيان رئيسة المجموعة، إليسا دي أندا مادرازو، الجمعة، قرر الاجتماع العام للمجموعة إضافة العراق إلى القائمة الرمادية، مشيرة إلى أن بغداد ما زالت بحاجة إلى اتخاذ خطوات لمعالجة المخاطر المرتبطة بالتعاملات النقدية، وزيادة التحقيقات المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن تعزيز استخدام المعلومات المالية في ملاحقة الجرائم المالية.
وبحسب البيان، فإن إدراج العراق على القائمة الرمادية يعني إخضاعه لمراقبة معززة من مجموعة العمل المالي الدولية، مع التزامه بتنفيذ خطة عمل وإصلاحات محددة لمعالجة أوجه القصور في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويأتي القرار في وقت تؤكد فيه الحكومة العراقية أن الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد يمثلان أولوية رئيسية خلال المرحلة المقبلة.
في السياق، أكد مجلس مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بالتعاون مع البنك المركزي العراقي، قبل يومين، أن العراق أحرز تقدماً في تطوير منظومته الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالتزامن مع إطلاق خطة عمل مشتركة مع مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) لتسريع الخروج من القائمة الرمادية.
وأوضح المجلس أن العراق قدم التزاماً سياسياً رفيع المستوى بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة وتعزيز الرقابة المالية، مشيراً إلى تحقيق تقدم في تشديد ضوابط دخول السوق، والرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية، والحد من مخاطر غسل الأموال في قطاع العقارات.
وبيّن أن العراق تمكن من تجنب الإدراج في القائمة السوداء بفضل الإجراءات المتخذة سابقاً، إلا أن مجموعة العمل المالي طالبت باستكمال خطوات إضافية تشمل مكافحة التحويلات غير المشروعة، وتنظيم الأصول الافتراضية، وتطوير أنظمة الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، وتعزيز استخدام المعلومات المالية في التحقيقات القضائية والأمنية.
انعكاسات الإدراج على البيئة الماليةمن جانبه، قال الناشط في مجال مكافحة الفساد سعيد ياسين في حديث مع" العربي الجديد"، إن هذه الإجراءات تمثل مؤشراً سلبياً على مستوى الثقة الدولية بفاعلية الإجراءات الرقابية والمالية، رغم الجهود التي بذلتها المؤسسات المعنية خلال السنوات الماضية لتحسين منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأضاف ياسين أن القرار يكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي بعد نحو ثماني سنوات من خروج العراق من منطقة المتابعة عام 2018، وهو ما يثير تساؤلات بشأن أسباب التراجع في بعض المؤشرات الرقابية والمالية، ومدى قدرة المؤسسات الحكومية على مواكبة المعايير الدولية المتطورة في هذا المجال.
وأوضح أن الإدراج على القائمة الرمادية لا يعني فرض عقوبات مباشرة على العراق، لكنه قد يؤدي إلى زيادة مستويات التدقيق على التحويلات المالية والمعاملات المصرفية الدولية، فضلاً عن رفع كلفة الامتثال بالنسبة للمصارف والشركات العراقية المتعاملة مع المؤسسات المالية العالمية.
وأشار إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه العراق يتمثل في استمرار شبكات الفساد المالي والإداري، وقدرة بعض الجهات المتنفذة على استغلال الثغرات الموجودة في النظام المالي والاقتصادي، الأمر الذي يضعف فعالية الإجراءات الرقابية ويعقّد جهود ملاحقة جرائم غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
وأضاف ياسين أن نجاح أي خطة إصلاحية يتطلب إرادة سياسية حقيقية لمواجهة الفساد الكبير، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الشكلية أو الفنية، وتطبيق القوانين على الجميع وفقاً للأسس الدستورية والقضائية.
من جانب آخر، يرى الباحث الاقتصادي علي عواد أن التأثير الأبرز لإدراج العراق على القائمة الرمادية قد يظهر في القطاع المصرفي أكثر من ظهوره في القطاعات الاقتصادية الأخرى، نظراً لارتباط المصارف العراقية بشبكة واسعة من العلاقات والتحويلات المالية الخارجية.
وأضاف عواد، لـ" العربي الجديد"، أن المصارف العراقية ستواجه خلال المرحلة المقبلة متطلبات امتثال ورقابة أكثر تشدداً، الأمر الذي قد يرفع كلف العمليات المصرفية ويزيد من الأعباء الإدارية والفنية على المؤسسات المالية، خاصة تلك التي تعتمد على المصارف المراسلة في تنفيذ التحويلات الخارجية.
وأوضح أن العراق قطع خلال السنوات الأخيرة شوطاً في تنظيم نافذة بيع العملة، والتحول نحو المنصة الإلكترونية، وتعزيز الرقابة على التحويلات الخارجية، إلا أن قرار مجموعة العمل المالي يشير إلى وجود ثغرات ما زالت تتطلب معالجة، خصوصاً في ما يتعلق بالاقتصاد النقدي الذي ما زال يستحوذ على جزء كبير من النشاط الاقتصادي والتجاري داخل البلاد.
وأشار إلى أن استمرار التداول النقدي خارج القنوات المصرفية الرسمية بنسبة تتجاوز 80% يحد من قدرة الجهات الرقابية على تتبع حركة الأموال والكشف المبكر عن العمليات المشبوهة، ما يجعل مكافحة غسل الأموال أكثر تعقيداً ويضع تحديات إضافية أمام المؤسسات المالية والرقابية.
وبيّن أن تقليص الاعتماد على النقد، وتوسيع الشمول المالي، وزيادة استخدام القنوات المصرفية الرسمية والأنظمة الرقمية، تمثل من أبرز التحديات التي يتعين على العراق معالجتها خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط لتلبية متطلبات مجموعة العمل المالي الدولية، وإنما أيضاً لبناء قطاع مصرفي أكثر كفاءة وقدرة على دعم الاستثمار وتمويل النشاط الاقتصادي وتعزيز الثقة بالمنظومة المالية العراقية.
وحول الجوانب التشريعية، أفاد عضو مجلس النواب العراقي صالح ياسين بأن المراقبة المشددة تمثل رسالة واضحة بوجود تحديات ما زالت تواجه المنظومة المالية والرقابية.
وأضاف ياسين، لـ" العربي الجديد"، أن القرار ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه انتكاسة نهائية، بل باعتباره فرصة لتسريع الإصلاحات التشريعية والرقابية المطلوبة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، بما ينسجم مع المعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.
وأوضح أن استمرار العراق على القائمة الرمادية قد ينعكس على بيئة الأعمال وجاذبية الاستثمار الأجنبي من خلال زيادة مستويات التدقيق على التحويلات المالية والتعاملات المصرفية الدولية، الأمر الذي يتطلب معالجة مكامن الخلل بصورة سريعة وفعالة.
وأشار إلى أن مجلس النواب سيكون معنياً خلال المرحلة المقبلة بدعم التشريعات والإجراءات التي تسهم في تعزيز الشفافية والرقابة المالية، لافتاً إلى أن نجاح العراق في تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي الدولية سيعزز ثقة المؤسسات المالية العالمية والمستثمرين الأجانب بالاقتصاد العراقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك