نواكشوط –»القدس العربي»: أعاد قرار الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني القاضي بالعفو عن عدد من السجناء المدانين في قضايا مرتبطة بالتطرف، وتخفيف العقوبات عن آخرين، ملف السلفية الجهادية إلى واجهة النقاش السياسي والأمني في البلاد، بعد سنوات من تراجع التهديد المسلح داخل الحدود الموريتانية.
وشمل القرار الرئاسي تسعة سجناء سلفيين، استفاد ثلاثة منهم من العفو عما تبقى من عقوباتهم السالبة للحرية، إضافة إلى الغرامات والرسوم القضائية، بينما استفاد ستة آخرون من استبدال العقوبة الأصلية بالمدة التي قضوها في السجن.
وأوضحت الرئاسة الموريتانية أن القرار يأتي في إطار منح من «راجعوا أفكارهم ومعتقداتهم وعادوا إلى سبيل الرشاد وثبت صدق توبتهم» فرصة جديدة للاندماج في المجتمع، مؤكدة أن المقاربة الموريتانية أثبتت مجدداً نجاعتها في مواجهة الفكر المتطرف عبر الجمع بين الحزم الأمني والحوار الفكري.
وجاء القرار بعد إعلان 14 سجيناً سلفياً مراجعات فكرية جديدة، وقعوا بموجبها وثيقة توبة جماعية أكدوا فيها تمسكهم بأقوال العلماء والتزامهم بالحفاظ على أمن البلاد ونبذ الأفكار المتشددة.
وفي مؤتمر صحفي نظمته لجنة الحوار مع سجناء الغلو والتطرف، كشف رئيس اللجنة العلامة محمد المختار ولد أمباله، أن الحوار مع السجناء «خيار طوعي» وليس إجراءً مفروضاً، موضحاً أن بعض السجناء رفضوا المشاركة فيه أو لم يرغبوا في الاستمرار ضمنه.
وقال ولد أمباله إن تجربة الحوار أثبتت نجاعتها خلال فترات متعاقبة، مشيراً إلى أن النقاشات الفكرية كانت تفضي في كل مرحلة إلى مراجعات جديدة يعترف أصحابها بخطأ الأفكار التي كانوا يتبنونها ويعودون إلى ما وصفه بـ «الرشد».
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها ترد على التشكيك المتكرر في جدية المراجعات الفكرية، إذ توحي بأن التراجع عن الفكر المتشدد لم يكن نتيجة ضغوط أو مساومات، وإنما ثمرة مسار طويل من النقاش والاقتناع.
كما تعزز تصريحات ولد أمباله الرواية الرسمية التي تؤكد أن العفو الأخير لم يكن خطوة سياسية ظرفية، بل نتيجة مسار مراجعات امتد سنوات طويلة داخل السجون.
من جهته، كشف عضو لجنة الحوار الشيخ محفوظ ولد الوالد (المفتي السابق لزعيم القاعدة بن لادن) أن قرار العفو لم يصدر بناءً على توصية العلماء وحدهم، بل جاء بعد تقييم مشترك شاركت فيه الجهات الأمنية والسياسية والقضائية.
وأكد ولد الوالد أن اللجنة لم تكن تعمل بمعزل عن المؤسسات المعنية، وأن جميع الجهات التي تابعت ملفات السجناء منذ بداية الأحداث شاركت في تقييم نتائج المراجعات قبل اتخاذ القرار.
وأضاف أن التجربة الموريتانية تستند إلى مقاربة متكاملة تراعي الأبعاد الدينية والقانونية والأمنية والسياسية، لافتاً إلى أن عشرات المستفيدين من المراجعات السابقة لم تسجل بحقهم أي حالات عودة إلى الفكر المتطرف، بل تحول بعضهم إلى مساهمين في محاربة خطاب الغلو.
تمثل هذه التطورات محطة جديدة في واحدة من أكثر التجارب الأمنية إثارة للاهتمام في منطقة الساحل.
فمنذ الهجمات التي شهدتها موريتانيا بين عامي 2005 و2011، أدركت السلطات أن الحل الأمني وحده غير كافٍ لمواجهة التطرف، فإلى جانب تفكيك الشبكات المسلحة وتشديد الرقابة الأمنية، أطلقت برنامجاً للحوار مع السجناء المتشددين بهدف معالجة الأسس الفكرية التي استندت إليها الجماعات الجهادية.
وتواصلت هذه المقاربة خلال عهدي الرئيسين محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الشيخ الغزواني، لتصبح إحدى السمات المميزة للسياسة الموريتانية في مكافحة التطرف.
منذ أكثر من عقدين، شكّل ملف السلفية الجهادية أحد أكثر التحديات الأمنية تعقيداً في موريتانيا.
وبينما نجحت الدولة في تحييد الخطر المسلح داخل حدودها، بقي السؤال الأعمق مطروحاً: هل يمكن الانتصار على التطرف بالسلاح وحده، أم أن المعركة الحقيقية تدور في فضاء الأفكار؟يأتي قرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالعفو عن عدد من السجناء المدانين في قضايا مرتبطة بالتطرف، وتخفيف العقوبات عن آخرين، ليعيد هذا السؤال إلى واجهة النقاش الوطني، وليفتح الباب أمام تقييم تجربة موريتانية طالما قُدمت بوصفها نموذجاً مختلفاً في مواجهة التطرف العنيف.
لم يكن العفو الأخير حدثاً معزولاً أو إجراءً إنسانياً صرفاً، بل يمثل حلقة جديدة في مسار بدأ بعد سنوات المواجهة الدامية التي شهدتها البلاد بين 2005 و2011، عندما تعرضت مواقع عسكرية وأمنية ومدنيون لهجمات تبنتها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.
وخلافاً لتجارب إقليمية اعتمدت المقاربة الأمنية وحدها، اختارت موريتانيا الجمع بين الضربات الاستباقية والحوار الفكري داخل السجون.
وتولى علماء وفقهاء، بقيادة لجنة الحوار مع سجناء الغلو والتطرف، نقاش الأسس الشرعية التي استندت إليها الجماعات المتشددة في قضايا مثل الجهاد والحاكمية والولاء والبراء.
وبمرور الوقت، تحولت هذه الحوارات إلى أحد أعمدة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف، إلى جانب الجهد الأمني والقضائي.
تكمن أهمية القرار الأخير في طبيعة الأسماء التي أعلنت مراجعاتها الفكرية.
فبعض الموقعين على وثيقة التوبة كانوا خلال مراحل سابقة من أبرز الوجوه المرتبطة بالتجربة السلفية الجهادية في موريتانيا.
ولهذا فإن إعلانهم التخلي العلني عن أفكار الغلو يمنح السلطات مكسباً معنوياً مهماً، لأن التراجع الصادر عن شخصيات كانت مؤثرة داخل هذا التيار يحمل وزناً أكبر من أي خطاب رسمي أو حملة توعوية.
ومن هذا المنظور، تبدو الدولة وكأنها تسعى إلى تثبيت انتصارها في معركة الأفكار بعد أن حسمت، إلى حد كبير، المواجهة الأمنية المباشرة.
يأتي القرار في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، فبينما تغرق منطقة الساحل في دوامة الانقلابات العسكرية وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تواصل موريتانيا تقديم نفسها باعتبارها واحدة من أكثر دول المنطقة استقراراً.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة العفو الأخير باعتباره رسالة مزدوجة: إلى الداخل، بأن الدولة واثقة من أدواتها وقدرتها على إدارة ملف التطرف، وإلى الخارج بأن لديها نموذجاً مختلفاً يقوم على معالجة الجذور الفكرية للظاهرة، لا الاكتفاء بملاحقة نتائجها الأمنية.
غير أن القرار لم يمر دون إثارة جدل واسع، فالمؤيدون يرون أن التجربة أثبتت نجاحها عملياً، مستشهدين بعدم تسجيل عودة غالبية المستفيدين من المراجعات السابقة إلى النشاط المتطرف، وباستمرار الاستقرار الأمني في البلاد مقارنة بدول الجوار.
أما المنتقدون فينطلقون من زاوية مختلفة، معتبرين أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على صدق التوبة أو نجاح الحوار، بل يجب أن يشمل أيضاً حقوق الضحايا وعائلات العسكريين والأمنيين والمدنيين الذين سقطوا خلال سنوات المواجهة مع التنظيمات المتشددة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تكفي المراجعات الفكرية لإغلاق ملفات ارتبطت بسفك الدماء، أم أن العدالة تقتضي مساراً موازياً يضمن الاعتراف بحقوق الضحايا وإنصافهم؟لماذا لم يشمل العفو الجميع؟من أبرز المؤشرات اللافتة في القرار أن السلطات لم تتعامل مع الموقعين على وثيقة التوبة باعتبارهم كتلة واحدة.
فبينما استفاد بعضهم من العفو أو تخفيف العقوبات، بقي آخرون خارج الإجراءات المعلنة، ما يوحي بأن الدولة تعتمد مقاربة فردية في تقييم الملفات، تأخذ في الاعتبار عوامل قانونية وأمنية وشخصية تتجاوز مجرد إعلان التوبة.
وهو ما يعكس حرصاً على الموازنة بين منطق إعادة الإدماج ومتطلبات الأمن العام.
ورغم أهمية القرار، فإن نجاحه لن يقاس بعدد المفرج عنهم، بل بما سيحدث بعد خروجهم.
فالتحدي الأساسي يتمثل في ضمان اندماجهم داخل المجتمع، ومنع أي انتكاسات محتملة، والاستفادة من مراجعاتهم الفكرية في تحصين الأجيال الجديدة ضد خطاب التطرف.
وفي المقابل، يبقى من الضروري الحفاظ على ذاكرة الضحايا وعدم تحويل المصالحة إلى نسيان للتضحيات التي قدمتها مؤسسات الدولة والمجتمع خلال سنوات المواجهة.
قد تكون موريتانيا نجحت في تحييد الخطر الجهادي داخل حدودها، لكنها ما تزال محاطة ببيئة إقليمية مضطربة تنتشر فيها الجماعات المسلحة على امتداد الساحل الإفريقي.
لذلك لا يمكن اعتبار العفو الأخير نهاية لملف السلفية الجهادية، بقدر ما يمثل محطة جديدة في مسار طويل تسعى من خلاله الدولة إلى الانتقال من إدارة التهديد الأمني إلى بناء مناعة فكرية واجتماعية مستدامة.
وفي النهاية، يبدو أن الرهان الموريتاني لم يعد فقط كسب معركة السلاح، بل ترسيخ انتصار دائم في معركة الأفكار، وهي معركة أكثر تعقيداً وأطول زمناً، لكنها قد تكون الأهم في ضمان استقرار البلاد مستقبلاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك