تونس -«القدس العربي»: تظاهر عشرات التونسيين، السبت، في العاصمة للتنديد بالعنصرية، مطالبين السلطات بالتوقف عما اعتبروه «حراسة» لحدود أوروبا.
وشارك في الاحتجاجات ممثلون عن أحزاب ومنظمات حقوقية ونشطاء من المجتمع المدني، مندّدين بالخطاب والممارسات العنصريّة، وداعين للتضامن مع المهاجرين.
وقالت حملة «ضد تجريم المجتمع المدني» في نص الدعوة للاحتجاجات: «من يصنّف البشر حسب لون بشرتهم وأصولهم وأوراقهم، يمارس نفس منطق الاضطهاد الخاص بالمستعمر، ونفس عقلية ازدراء الآخر التي تعاني منها جاليتنا اليوم في أوروبا وفي بقية العالم.
هذا الوباء يتفاقم ويتفشى بين الناس باللهجة والنوع الاجتماعي والمنطقة واللباس والعمل.
التمييز نزعة خطيرة يهدّد تضامننا كشعب وكإنسانية، ويحوّل تنوعنا الذي يمثل ثراءنا إلى عامل انقسام.
العنصرية ليس جملة تقال باستخفاف، بل هي سياسة كراهية تتبنى وتتنشر، ونتائجها كارثية على المديين القريب والبعيد».
وقالت منظمة العفو الدولية (فرع تونس): «يأتي هذا التحرك تزامنًا مع اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية، الذي يوافق 18 يونيو/ حزيران من كل عام، وقبل أيام قليلة من دخول ميثاق الهجرة واللجوء للاتحاد الأوروبي حيّز التطبيق الفعلي في دول الاتحاد الأوروبي، يوم 12 يونيو/ حزيران 2026.
كما يأتي في ظلّ اعتماد قانون أوروبي جديد يهدف إلى تسريع ترحيل المهاجرين، وتوسيع صلاحيات الاحتجاز والطرد، ويفتح الباب أمام نقل أشخاص طالبين للحماية إلى مراكز خارج الاتحاد الأوروبي، في خطوة تُكرّس سياسة التخلّص من المسؤولية وتقويض الحق في اللجوء، وتحوّل المهاجرين واللاجئين إلى أهداف لسياسات الردع والإقصاء بدل ضمان الحماية والكرامة والحقوق الأساسية».
وأضافت: «يأتي هذا التحرك أيضًا للتأكيد على أهمية حماية الفضاء المدني وحرية العمل الحقوقي والتضامني، في مواجهة كل أشكال التضييق على المدافعين عن حقوق الإنسان والمبادرات المناهضة للعنصرية والداعمة لحقوق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.
كما يأتي تزامنًا مع محاكمة المدافعة المناهضة للعنصرية سعدية مصباح وعدد من مناضلات ومناضلي جمعية منامتي، في سياق يتّسم بتصاعد استهداف العمل الحقوقي ومحاولات تجريم التضامن وترهيب الأصوات المدافعة عن الحقوق والحريات وإسكات كل من يناهض العنصرية والتمييز».
وقالت جمعية تقاطع للحقول والحريات: «لقد تجاوز الخطاب الصادر عن الوظيفة التشريعية حدود التعبير عن مشاغل المواطنين ليصبح أداة للإقصاء لا تستثني أحداً، إذ طال المدافعين عن حقوق الإنسان، والمهاجرين والنساء، محولاً المؤسسة التشريعية إلى منبر لتبرير ممارسات تمسّ جوهر القيم والمبادئ العامة والنظام العام، وذلك تحت مسميات زائفة تضفي شرعية على التحريض وتشرعن مصادرة الحقوق».
واعتبرت أن «الكراهية أصبحت اليوم المهدد الأكبر للوحدة الاجتماعية، فهي تقوّض العلاقات الإنسانية والمجتمعية، وتضعف الروابط الدولية، وخاصة الإفريقية.
كما أن شحن المجتمع بخطاب الكراهية يعزل تونس وينخر في منظومة التضامن، ويقودها نحو عزلة اختيارية عن محيطها.
وإذا لم يتم التخلي فوراً عن هذا الخطاب العدائي، وإيقاف نزيف التطرف داخل المؤسسات، فإننا سنكون أمام نتائج خطيرة تمسّ العديد من القيم والأخلاقيات الراسخة.
فهذا المسار لا يدفع المجتمع نحو العنف والثأر والاحتقان فحسب، وإنما يقوّض أسس دولة القانون، ويحوّل المواطن من شريك في البناء إلى هدف لهذا الخطاب المستبد».
وأعرب مرصد الحرية لتونس عن قلقه إزاء «تنامي مظاهر العنف والكراهية والعنصرية خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تصاعد خطابات التحريض والوصم والتقسيم التي استهدفت فئات مختلفة من المجتمع، وعلى رأسها المهاجرون واللاجئون القادمون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، فضلًا عن المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء العاملين في مجال مكافحة العنصرية».
وأشار في السياق إلى «الجريمة العنصرية الخطيرة التي استهدفت مؤخرًا مواطنة من إفريقيا جنوب الصحراء، والتي تضمنت اعتداءات ومحاولة اغتصاب وتحرش وعنفًا مهينًا، في واقعة صادمة تعكس المخاطر التي باتت تفرزها أجواء الكراهية والتحريض والتطبيع مع العنف ضد فئات بعينها.
كما يثمّن المرصد ملاحقة المتورطين في هذه الجريمة، ويؤكد ضرورة محاسبة جميع المشاركين فيها دون استثناء».
وطالب بـ«التطبيق الصارم للقوانين المتعلقة بمكافحة التمييز العنصري وخطاب الكراهية وضمان عدم الإفلات من العقاب، وحماية ضحايا العنصرية والعنف وضمان وصولهم إلى العدالة والإنصاف، والكف عن استهداف المعارضين السياسيين واتهامهم بالخيانة وتشويههم».
كما دعا إلى «وضع حد لكل أشكال التحريض والتقسيم التي تهدد السلم الأهلي وتغذي الكراهية داخل المجتمع، والكف عن استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات العاملة في مجال مكافحة العنصرية والتمييز، وإطلاق سياسات وطنية جادة لنشر قيم المساواة والتسامح والتعايش واحترام الكرامة الإنسانية».
واعتبر حزب المسار الديمقراطي أن «ما تشهده تونس في السنوات الأخيرة من خطابات تستبيح كرامة البشر حسب لون بشرتهم أو وضعيتهم الإدارية ليس وليد اللحظة، بل هو إرث مباشر لمنطق كولونيالي بُني أساسًا على تراتبية للأجساد والثقافات والطبقات الاجتماعية، وعلى تقسيم البشر إلى «متحضرين» و«متوحشين»، إلى من يستحق الحرية والحركة ومن يجب ضبطه ومراقبته وإخضاعه لسياسات الحدود.
هذا المنطق لم يغادرنا بمغادرة المستعمر، بل أعاد إنتاج نفسه في سياسات الهجرة وتصدير الحدود الأوروبية وفي خطابات داخلية تتبنى – بوعي أو دونه – المرجعية الاستعمارية نفسها التي استُعملت تاريخيًا لتبرير استعبادنا وتستعمل اليوم ضد أبنائنا وبناتنا المهاجرين/ (ات) في دول الشمال».
واعتبر أن «منطق الفرز بين البشر لتبرير استباحتهم لا يمكن إلا أن يؤدي إلى ممارسات شنيعة تستبيح حرمة الذات البشرية وتهدد السلم الأهلية.
كما أن هذا المنطق لن يبقى محصورًا في فئة واحدة، فمن يقبل بتصنيف الإنسان حسب لون بشرته وأصله ووضعه الإداري، يفتح الباب لمنطق يتمدد لا محالة نحو الانتماء الجهوي أو الأصل العائلي أو اللهجة أو حتى الانتماء السياسي أو الاجتماعي.
إن خطاب الكراهية لا يصنع «حماية» لأحد، هو يصنع منظومة قمعية قابلة للتوسع، تنتظر فقط من يحرّكها ضد المجموعة التالية».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك