أصدرت محكمة الجنايات المستأنفة – الدائرة الثانية إرهاب بوادي النطرون بِرئاَسة المستشار د.
شوقي زكريا الصالحي رئِيس المحكمة، وَعضويَة المستشار محمد عبدالسلام القرش و المستشار بسام فاروق عنتر حكماً يعد من الأحكام القضائية المهمة في مجال مكافحة المخدرات التخليقية، حيث تصدت المحكمة لإحدى المسائل القانونية التي أثارت جدلاً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، والمتعلقة بمدى خضوع بعض المركبات الكيميائية المستحدثة للتجريم رغم عدم ورود أسمائها حرفياً ضمن الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات.
وتعود وقائع الدعوى إلى اتهام النيابة العامة متهم بإحراز جوهر الهيروين المخدر، وإحراز مادة من مشتقات مجموعة الإندازول كربوكساميد، وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
وكانت محكمة الجنايات قد سبق لها أن قضت بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات وتغريمه مبلغ أربعمائة ألف جنيه مع مصادرة المضبوطات، فطعن المتهم على الحكم بطريق الاستئناف طالباً إلغاءه والقضاء ببراءته.
واستند الدفاع في طعنه إلى عدة أوجه، كان أهمها الدفع بأن المادة التخليقية المضبوطة والمعروفة علمياً باسم MDMB-4EN-PINACA لا ترد بالاسم ضمن الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، ومن ثم لا يجوز تجريم إحرازها تطبيقاً لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
كما تمسك الدفاع بحكم صادر عن المحكمة الدستورية العليا يتعلق بسلطة إصدار القرارات المنظمة للجداول، ودفع كذلك ببطلان القبض والتفتيش وعدم جدية التحريات وانتفاء صلة المتهم بالمضبوطات.
غير أن المحكمة تناولت هذه الدفوع جميعاً بالبحث والتمحيص، وانتهت إلى رفضها، مؤكدة أن الحكم الصادر من المحكمة الدستورية في الدعوى رقم 33 لسنة 47 قضائية دستورية بجلسة 16 فبراير 2026، الذي قضي بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023 و بسقوط كافة القرارات السابقة واللاحقة عليه فيما يتعلق بتعديل جداول المخدرات , لم يتعرض لقرارات وزير الصحة التي سبق وان أدرجت مواد مخدرة واعتبرت نظائرها واملاح نظائرها مواد مخدرة ومنها تلك المادة باعتبارها نظير لتلك المواد.
ولم يقف الحكم عند حدود الرد على دفوع الدفاع التقليدية، بل توسع في بيان الإطار القانوني الدولي والوطني المنظم لمكافحة المخدرات، مستعرضاً الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها جمهورية مصر العربية، وعلى رأسها الاتفاقية الوحيدة للمخدرات لعام 1961، واتفاقية المؤثرات العقلية لعام 1971، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1988.
وأكدت المحكمة أن هذه الاتفاقيات، بعد التصديق عليها ونشرها وفقاً للأوضاع الدستورية المقررة، أصبحت جزءاً من المنظومة التشريعية الوطنية، وأن ما تتضمنه من التزامات دولية بشأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية يفرض على السلطات الوطنية إنفاذ أحكامها والعمل على تحقيق أهدافها في مواجهة التطور المستمر للمخدرات التخليقية.
وانتقلت المحكمة بعد ذلك إلى شرح الطبيعة العلمية لمجموعة الإندازول كربوكساميد، مبينة أنها ليست مادة منفردة محددة، وإنما تمثل عائلة كيميائية كاملة تضم عشرات المركبات التخليقية المستخدمة في تصنيع القنب الصناعي المعروف شعبياً بمواد الاستروكس والفودو وغيرها من المخدرات المستحدثة.
وأوضحت المحكمة أن هذه المركبات تعمل على المستقبلات العصبية ذاتها التي تتأثر بمادة THC الموجودة في نبات القنب الطبيعي، إلا أنها تفوقها في كثير من الأحيان من حيث القوة والخطورة والآثار الضارة.
كما استعرض الحكم التطور التاريخي لإدراج هذه المواد ضمن جداول الرقابة الدولية، مشيراً إلى أن العديد من مشتقات الإندازول كربوكساميد أُدرجت تباعاً ضمن الجداول الدولية بعد ثبوت خطورتها من خلال تقارير منظمة الصحة العالمية ولجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، وأن المجتمع الدولي اتجه إلى تشديد الرقابة عليها نتيجة الانتشار الواسع للمخدرات التخليقية في مختلف الدول.
ومن أهم ما قرره الحكم أن التجريم في مجال المخدرات التخليقية لا يقتصر على المواد الواردة بأسمائها الحرفية في الجداول، وإنما يمتد كذلك إلى النظائر الكيميائية والمشتقات والأملاح والإسترات والإيثرات والمستحضرات التي تشترك مع المواد المدرجة في البنية الكيميائية الأساسية والتأثير الدوائي.
وأوضحت المحكمة أن المشرع المصري أدرك مبكراً الأساليب التي يلجأ إليها مصنعو المخدرات التخليقية للتحايل على القانون، وذلك من خلال إدخال تعديلات طفيفة على التركيب الكيميائي للمواد المحظورة لإنتاج مركبات جديدة تحمل أسماء مختلفة مع احتفاظها بذات التأثير المخدر.
ولهذا السبب منح المشرع وزير الصحة سلطة تعديل الجداول وإضافة المواد التخليقية ومشتقاتها ونظائرها، كما استحدث بالقانون رقم 134 لسنة 2019 نصوصاً خاصة بالمواد المخلقة أو التخليقية، بما يسمح بمواجهة التطور السريع في هذا النوع من الجرائم دون الحاجة إلى انتظار تدخل تشريعي جديد مع كل مركب مستحدث يظهر في الأسواق.
وفي ضوء هذه المبادئ، خلصت المحكمة إلى أن المادة المضبوطة في الدعوى، وهي MDMB-4EN-PINACA، تنتمي علمياً إلى ذات العائلة الكيميائية التي تضم مواد مدرجة بالفعل في جداول المخدرات، وأنها تشترك معها في النواة الكيميائية الأساسية وفي آلية التأثير على الجهاز العصبي المركزي، الأمر الذي يجعلها نظيراً كيميائياً ومشتقاً لمواد مجرمة قانوناً، ومن ثم فإن عدم ورود اسمها على نحو حرفي في الجداول لا ينفي عنها وصف المادة المخدرة.
وأكدت المحكمة أن الأخذ بوجهة النظر التي تبناها الدفاع من شأنه أن يؤدي عملياً إلى إفراغ التشريع من مضمونه، إذ يكفي عندئذ لمصنعي المخدرات إجراء تعديل بسيط على أحد المكونات الكيميائية للمركب المحظور حتى يفلتوا من العقاب، رغم استمرار التأثير المخدر ذاته.
ورأت المحكمة أن هذا التفسير يتعارض مع إرادة المشرع ومع الغاية التي استهدفها من تجريم النظائر والمشتقات الكيميائية.
ويكتسب هذا الحكم أهمية خاصة لأنه يرسخ اتجاهاً قضائياً واضحاً في التعامل مع المخدرات التخليقية الحديثة، ويؤكد أن الحماية الجنائية لا تقتصر على المواد المدرجة بالاسم، وإنما تمتد إلى العائلات الكيميائية ومشتقاتها ونظائرها متى ثبت علمياً اتحادها في البنية الأساسية والتأثير المخدر.
كما يعكس الحكم توجهاً تشريعياً وقضائياً يقوم على المواجهة الاستباقية للمخدرات المستحدثة بدلاً من انتظار ظهور كل مركب جديد ثم إدراجه على نحو منفرد في الجداول حماية لمقدرات الدولة ومواطنيها الأبرياء.
حكمت المحكمة حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بمعاقبة المتهم بالحبس مع الشغل لمدة ستة اشهر وتغريمه مبلغ عشرة الاف جنيه ومصادرة المخدر المضبوط وألزمت المستأنف المصاريف الجنائية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك