التلفظ (القول) عمل لغوي يؤديه فرد، لإنتاج ملفوظ (مَقول) موجه إلى مرسل، في ظروف أو ملابسات مخصوصة.
وفي السياق الذي أنا فيه فالملفوظ هو النص المكتوب لا المسموع؛ فيما التلفظ هو الفعل اللغوي الذي يقوم به المتلفظ، وتصبح العناصر اللغوية بواسطته دالة.
إن الملفوظ مادي بطبعه، سواء أدركناه بالأذن في حال السماع، أو بالعين في حال القراءة.
أما التلفظ فأمره مختلف، ومن الصعوبة بمكان محاصرته، ناهيك من تسجيله وتقييده؛ فهو ليس ماديا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا هو بالظاهر للعيان فإذا كان للملفوظ من الملامح والسمات، ما يهدينا في سهولة حينا، أو في صعوبة حينا، إلى معرفـته والوقوف عليه؛ فإن في التلفظ، مهما احتشدنا له، سرا خفي الشأن، يجعله يراوغنا ويفلت منا، فهو عمل فردي/فريد.
وهو من ثمة «معجز» بطبعه؛ يتعذر إحداثه أو إنتاجه من جديد، حتى على صاحبه.
ومع ذلك يظل التلفظ أساسا في وصف قواعد تأليف الكلمات والتراكيب والجمل.
وقد يتعذر ذلك بمنأى عن «مقام التلفظ» الذي يحد إجمالا المتكلم والمخاطب، والظروف والملابسات التي تحفهما: أنا/أنت/هنا/الآن.
وما نلاحظه في أكثر روايات «التخييل الذاتي»، أو «رواية السيرة» كما أفضل، عندنا وعند غيرنا، أنها «محاورات» بين «شخوص» تتراجعُ الكلامَ وتتجاوبُ؛ الأمر الذي يستوجب أن يتغير المتلفـظ والمخاطب كلاهما، فيتغير مقام التلفظ، بتغير الجواب والرد عليه.
وهذه النصوص تنحو منحى سرديا، والمتلفظ فيها، على ما يوهمنا ظاهر النص؛ إنما هو السارد أي الذي يقص.
وهو في النص يشارك في الحكاية، أو القصة التي يرويها.
وهو من وجهة نظر دينية «الخالق» أو هو «المؤلف»، أو «المنشئ» بعبارتنا، واقعا كان أو خيالا.
ويحسن أن لا ننسى أننا هنا إزاء خطاب مباشر، أي أن الأمر لا يتعلق بمجرد وحدتين نحويتين مستقلتين، فحسب، بل بمقاميْ تلفظ متمايزين؛ وعليه فنحن إزاء متلفظين اثنين.
ومع ذلك يظل السارد ساردا.
أما المتلفظ، ما توخينا الدقة، وتجردنا ونحن في مقام علمي، من لـَبُوس المسلمات، فهو في الظاهر صاحب النص.
وفي القص وفي حيز الخطاب المنقول المباشر، فإن هناك مقام تلفظ متميزا، ومتلفظا متميزا أو مغايرا.
وهو مما يطرح مسألة شائكة: فمن هو المؤلف؟ ومن هو المتكلم؟ يعقد ج.
جينيت تحت مصطلح «صوت» سلسلة من الأسئلة، عُراها العلاقات القائمة بين «سلطات» ثلاث هي المؤلف والسارد والشخصية، وما يميز إحداها عن الأخرى من فروق دقيقة وظلال خفية.
وإذ نشدد على هذين النعتين: «دقيقة» و»خفية» فمرد ذلك إلى سؤال لا يمكن تلافيه في أي نص سردي وهو: أعلينا دائما إجراء هذا التمييز بين المؤلف والسارد، خاصة كلما كان السارد نفسه شخصية في القصة التي يرويها؟ وما إلى ذلك من أسئلة مثل: كيف نحدد العلاقات ونرسم الحدود بين «الداخل» في العالم المحكي و»الخارج»؟ أو كيف نضبط الزمنية، ونحن نقيس الفارق الكبير تقريبا، بين زمن الفعل السردي وزمن القصة؟ثمة في كل نص سردي ما يغري القارئ بإدماج الصوت السارد بمؤلف النص، خاصة كلما توسطت أنا السارد بين القارئ والقصة.
فحضور ضمير المتكلم في نظام النص، سواء أداره المؤلف بصيغة «أنا»، أو على مقتضى أسلوب «الالتفات» من انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، وعن المخاطبة إلى الإخبار، إنما هو من مقومات قراءة الألفة، إذ يمكن أن يدل حدسا أو ظنا على تجربة عند القارئ هي تجربة «التقبل الذاتي»، أو إدراك الذات وتعرفها.
وهي ليست متجانسة عند جميع القراء، ولكنهم يتقاسمونها بنسبة أو بأخرى.
و»أنا» هي بمثابة واصل أو رابط بين القارئ والنص.
والقراء جميعهم يتوفرون على هذه الملـَكة في إسناد الكلام إلى النفس، والرجوع إلى الذاكرة من حيث هي قوة نفسية تحفظ الأشياء وتستحضرها عند الاقتضاء.
وواسطتهم في ذلك ضمير التكلم في النص، إذ يحيلهم على تجربة جسدية ونفسية لهم علم بها وخبرة، أو هم يدركونها بالاختبار لا بالنظر.
وما نلاحظه في استعمال الضمير «أنا» أن المرجع هو سريرة المتكلم الخاصة أو دخيلته.
فمثل هذا الضمير يضعنا إزاء متلفظ أو قارئ يمكن القول إنه مفرد بصيغة الجمع ذلك أن «الأنا» التي تستوقفنا في النص ليست إلا الواصل الذي يمكن أن يكون «نحن»، أي هذه المجموعة غير المحددة التي تتسع للمتكلم أيا كان؛ بما يسوق إلى القول، إن القارئ متضمن في «أنا» مثلما هو متضمن في «نحن»، إن «أنا» أشبه باسم لغير علم، يعقد صلة حميمة أشبه بوشيجة القربى بين المتكلم وكلامه، صلة أساسها عند جاكوبسون علاقة تماثل: «إن كلمة أنا الدالة على المتلفظ هي في علاقة وجودية بالتـلفظ».
فهذا الضمير إذن، رغم ذيـوعه وشيوعه «شديد الغرابة» وليس بالميسور محاصرته، لتعقده وعدم ثباته.
أما السارد بصيغة الجمع «نحن» فقد يحيل، وهذا ما لا نتنبه إليه عادة، أو نغفله، على ما يمكن أن نسميه «بنية غياب بالمطابقة» بينه وبين ذاته.
فالله في القرآن مثلا يقص، ولكن لا أحد يجعل صفة «قصاص» من أسمائه الحسنى، أو يتخذ منها اسم صفة يجاذب الاسم الجوهر مكانته.
ولعل هذه الصيغة المطردة في النص القرآني، مما يتيح للسارد أن يحصر السلطة في شخصه من جهة، وأن يجعل الذهن يتركز في الشخصيات الرئيسة، من جهة أخرى؛ أي تلك التي يبسط عليها هذا السارد سلطته اللغوية.
من الأمثلة التي يسوقها الباحثون في السرديات، في سياق التمييز بين المؤلف والسارد، رواية بلزاك «الأب غوريو»، فمن الثابت أن بلزاك لم يكن يعرف المأوى الذي يقيم به بطله، غير أن هذا لم يَحُلْ دون وصف السارد له وصفا دقيقا؛ حتى إنه يأتي على تفاصيله، وينزوي في شوارده.
ومثال آخر رواية جورج أورويل الشهيرة «1984» فقد كتبها صاحبها عام 1948، ومات بعد ذلك بسنتين؛ ولكن السارد لا يزال حيا يُرزق بعد 1984، وهو الذي يروي قصته في الماضي.
ومن المفيد أن نذكر بأنه بميسور أي سارد أن يعرض علينا، أو يقدم لنا لقطات أو مشاهد أو حوارات ناطقة نابضة بالحياة، على الرغم من أنها حدثت في أزمنة سحيقة.
ومثل هذه القدرة لا تمتح أمشاجها وعناصرها من «ذاكرة قوية» فحسب، وإنما من «ملـَكة فوق إنسانية» تتيح لأي سارد أن يندس في سريرة الشخصية، ليجلوها في مجلى الظاهر أو الواقع.
فمن الرجاحة بمكان أن نقرر أن السارد ليس المؤلف بأي حال من الأحوال، وإنما هو «دور» يختلقه المؤلف أو هو يتبناه.
ومن نافل القول، أن نذكر بأن الكتاب أنفسهم يصرون على التمييز بين الكاتب من حيث هو «أنا اجتماعية»، والكاتب من حيث هو «أنا إبداعية»، بل إن الكِتاب هو كما يقول بروست، «محصلة أنا أخرى غير التي نظهرها في عاداتنا، في المجتمع، وفي عيوبنا، وإذا ما سعينا إلى فهم تلك الأنا فإنما في أعماقنا وحدها نستطيع أن ننفذ إليها؛ ونحن نحاول أن نبتعثها فينا»، أو كما يقول بول أوستر: «في حياتي قطيعة كبيرة بيني أنا والرجل الذي يؤلف كتبا.
فأنا في حياتي، أعرف تقريبا ما أفعله، ولكني إذ أكتب، أهيم تماما، ولا أعرف من أين تأتي هذه القصص»، بَيْدَ أن هذا لا يسوق إلى القول بـ»أدبية» خالصة؛ ومصادر القص هي: المؤلف صاحب السيرة أو الترجمة، والمؤلف الكاتب، والسارد.
أما الأول فهو ليس بموضوع للسرديات، وقد يكون من المفيد الاستئناس بيومياته أو رسائله، أو مواقفه، ولكن من دون أن نعتاض بهذا عن تحليل النصوص نفسها.
(وهذا شبيه بما يفعله مفسر القرآن إذ يستأنس بسيرة النبي وحديثه أو بأسباب النزول، وما إلى ذلك لتفصيل ما جاء مجملا في النص).
وهذه «المدونة» ليست رسائل أو تصريحات صادرة عن المؤلف ذي السيرة، وإنما هي ثمرة عمل «جمالي» معقد، هو من سعي المؤلف الكاتب.
وأساس هذا العمل صنع جهاز سردي شامل يندرج فيه السارد: الحبكة والشخصيات والموضوعات والأسلوب، بما في ذلك تخير سارد مغمور يتخذ وضعا مواربا، أو هو مهذار لا يُؤتمن على سر.
وهذه كلها تؤول إلى «خطة»، أو «سياسة» أو ما يسميه المعاصرون «استراتيجيا الكتابة»، وإلى مقصد هو مقصد المؤلف بهذا المعنى الحصري للكلمة.
وهو ما يُصطلح عليه بـ» المؤلف المتوهم»، أو «المؤلف المتضمن»، أو «صورة المؤلف النصية».
وتشدد السرديات الحديثة على أنه من البداهة أن لا يلتبس مقصده بأفكار المؤلف «البيوغرافي» أو آرائه، أو بأي حكم كان يمكن أن يقطع به السارد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك