الجزيرة نت - في جولتين فقط.. مونديال 2026 يعادل ضعف حالات الطرد في نسختي قطر وروسيا روسيا اليوم - عمدة سابقة تثير الجدل بإطلالة جريئة خلال كأس العالم (فيديو) العربي الجديد - كرة القدم في الضفة الغربية.. تحت الأسلاك الشائكة بسبب الاحتلال القدس العربي - الخارجية السورية تعيّن جهاد مقدسي مستشارا للشؤون الأمريكية التلفزيون العربي - إسرائيل تعتزم تقليص قواتها جنوب لبنان.. كاتس: لن ننسحب من قلعة الشقيف العربي الجديد - مفاوضات سويسرا مستمرة وحديث عن تقدم بملف هرمز قناة العالم الإيرانية - قاآني للعدو الاسرائيلي: إذا لم تغادروا جنوب لبنان فسيتكرر سيناريو عام 2000 التلفزيون العربي - النرويج تشحن 1000 كيلوغرام من الطعام إلى كأس العالم في أميركا العربي الجديد - اعتماد الأمن الطاقي الأوروبي على الخليج الجزيرة نت - "نكسر كل شيء بدل تصحيح العيوب".. العابدي ينتقد الاتحاد التونسي عقب الإقصاء المونديالي
عامة

الرواية لا تُطعِم خبزاً

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

لا يزال ما صرحت به الروائية البولندية أولغا توكارتشوك الحائزة جائزة نوبل سنة 2018، قبل شهر في مؤتمر «إمباكت» في بولندا يثير الجدل، وقد كتبتُ الأسبوع الماضي مقالي عن تشاؤمها من مصير الرواية الطويلة، وق...

لا يزال ما صرحت به الروائية البولندية أولغا توكارتشوك الحائزة جائزة نوبل سنة 2018، قبل شهر في مؤتمر «إمباكت» في بولندا يثير الجدل، وقد كتبتُ الأسبوع الماضي مقالي عن تشاؤمها من مصير الرواية الطويلة، وقرارها الحاسم للجوء إلى كتابة القصة القصيرة، ولم يكن السبب في هذا القرار إعراض القارئ المعاصر عن المطولات، واللجوء إلى الملخصات فقط كما ذكرتْ، بل اشتكت من عدم تناسب الجهد المبذول في كتابة رواية مع العائد المادي منها، وأعطت مثالا عن روايتها الشهيرة «كتب يعقوب»، التي استنزف العمل عليها سبع سنوات من عمرها فقالت، «لو تم تحويل الساعات التي قضيتها في كتابة الرواية (كتب يعقوب) إلى أجر عامل يدوي، لما استطاع أي ناشر شراء الكتاب بسعر عادل»، مع ملاحظة أن أولغا توكارتشوك حصلت على نوبل بقيمتها المادية المعتبرة، وتبيع مئات الآلاف من رواياتها، مع ما تحصله من عائدات الترجمة إلى اللغات العديدة التي نقلت إليها، فكيف حال غيرها خاصة في وطننا العربي، حيث يطبع الروائي ألف نسخة من روايته نصفها مرتجع.

هذا التصريح من الروائية النوبلية، يكشف لنا عدم التكافؤ الكبير بين جهد يستغرق سنوات من البحث والتخطيط والكتابة والمراجعة والتركيز العاطفي، ومردود لا تُرى نتائجه إلا بعد الانتهاء من العمل، يكافأ فيه العمل الأدبي وفقا لأدائه التجاري عوضا عن الجهد المطلوب لإنتاجه.

لا يرى القارئ وأحيانا الناشر سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد في العمل الروائي، أما قاعدته الضخمة العريضة فهي لا مرئية، يكتفى القارئ بحكاية الصورة الرومانسية في كتابة الرواية الناتجة عن الإلهام وعبقرية صاحبها، لا يرى الفصول التي تخلى عنها الروائي بعد كتابتها ولا المسودات غير المكتملة ولا سنوات التنقيب والبحث وبناء الشخصيات وتنظيم الزمن السردي والمراجعات المتعددة، وأحيانا هدم العمل وإعادة بنائه من جديد، والتنقيب عن دقة المعلومات، خاصة في الرواية التاريخية، وقد كتبت قبل أسبوعين عن رواية غابريال غارسيا ماركيز التي صدرت بعد وفاته «نلتقي في شهر آب» وذكرت أن لها خمس مسودات كاملة، ومع هذا رفض ماركيز بشدة نشرها.

ومن الأمثلة الصارخة على الجهد الكبير في كتابة رواية، ما حدث مع الكاتب النمساوي روبرت موزيل، الذي أمضى أكثر من عشرين عاما في كتابة رواية «الرجل بلا صفات»، وظل يعمل عليها حتى وفاته سنة 1942 من دون أن يتمكن من إكمالها، فأي مردود مادي يقابل هذا العمر المبذول عليها.

فإذا نظرنا إلى الرواية من هذا الجانب المادي، نجد أنها رهان مجرد غير مضمون النتائج، فكم من روائي أنفق أعواما من عمره، ثم لم يجد حتى من ينشر له ما كتب فلم تر كتاباته النور.

وبمثال ملموس لنفرض أن روائيا أنفق سنتين في كتابة روايته بمعدل عشرين ساعة أسبوعيا سيتقاضى أزيد من عشرين ألف دولار على هذا العمل، لو كان عاملا يوميا وكانت ساعة عمله بـ10 دولارات فقط، لكنه فعليا لن ينال من الناشر سوى أقل من ربع هذا المبلغ إذا طبع 3000 نسخة (وهو رقم كبير) وأخذ نسبة 15% من سعر الغلاف (وهي نسبة جيدة)، هذا إذا ما باع كل النسخ فالتزوير الورقي والرقمي عبر «بي دي أف» يترصدان بكل عمل ناجح ويحولان دون تحقيق فوائد منه.

ومن العبث المقارنة بين عدد النسخ المطبوعة من أي رواية عربية وما يقابلها من روايات بلغات غربية، وكمثال صادم لهذا الفرق الضوئي، نجد أن متوسط مبيعات أي رواية فازت بجائزة الغونكور الفرنسية هو 360 ألف نسخة، بل بلغت مبيعات رواية «الخلل» لهيرفيه لو تيلييه الفائزة بغونكور 2020 مليون ومئة ألف نسخة، ولا داعي للسؤال عن حجم مبيعات الروايات الفائزة بالبوكر العربية مجتمعة منذ إنشائها.

لذلك نتفهم ما صرح به أحد أهم الروائيين العرب والفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية، الروائي السعودي عبده خال حين قال مرة «الأدب ما يوكل عيش، فالبوكر بعد 30 سنة جاءت بـ60 ألف دولار، ولو كنت أكتب في الصحافة ككاتب لكنت أقمت الدنيا.

الأدب هو حب وعشق أمارسه، من دون انتظار أي مقابل مادي إزاءه» وهذه الشكوى قديمة فقد كان يقال عن الأديب الذي لا يستطيع بنتاج إبداعه أن يعيش عيشة كريمة «فلان أدركته حُرفة الأدب» والحُرفة هي الحرمان وسوء الحظ، وقد لخص لنا إبراهيم المازني قبل عقود هذه الفكرة، حين كتب في مقدمة كتابه «حصاد الهشيم»، «في هذا الكتاب أكثر من أربعين مقالا تباع المجموعة بعشرة قروش لا أكثر، وأقسم لك أنك تشتري عصارة عقلي وإن كان فجاً، ومجهود أعصابي وهي سقيمة بأبخس الأثمان.

فأنت تشتري كلَّ أربعٍ منها بقرش»، لذلك نتيجة هذه الجملة المؤلمة (الأدب ما يوكل خبز) يعتمد الروائيون على حياة مهنية مزدوجة تضمن لهم حدا أدنى من الأمان الاقتصادي، وإلا ما الذي يدفع أشهر روائي عربي مثل نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل إلى التقلب في وظائف إدارية متفرقة حتى أحيل على التقاعد.

فمعظم الروائيين العرب يعملون أساتذة، أو صحافيين أو موظفين حكوميين ونادرا ما اكتفى أحدهم بما يدره عليه عمله الإبداعي، ولذا أجد قول الروائي الجزائري رشيد بوجدرة قريبا جدا من الحقيقة، حين صرح في أبو ظبي «ربما أنا الكاتب العربي الوحيد الذي يعيش من مردود رواياته.

إنني أكتب منذ 40 سنة.

وقد بيعت من روايتي «ألف وعام من الحنين» نحو مليون نسخة».

وأرجعَ سبب هذا الاكتفاء إلى النشر باللغة الفرنسية فقال، «إن الإيرادات تصلني من دور النشر الفرنسية وترجماتها، لأنها تتابع هذا الشأن بدقة، بينما لا تهتم الدور العربية كثيرا بالتسويق»، والمفارقة أن رواية واحدة في أوروبا، أو أمريكا تكفي لتؤمّن لكاتبها ثروة لا يحتاج بعدها إلى مزاولة أي نشاط اقتصادي، وما هاربر لي وروايتها «أن تقتل طائرا محاكيا» بمثال وحيد فمواطنها جيروم سالينجر صاحب الأيقونة «الحارس في حقل الشوفان» من أصحاب الرواية الواحدة أيضا، الذين حققوا ثروة من ورائها، أما المشاهير المكثرون مثل أغاثا كريستي فقد قدرت ثروتها بـ600 مليون جنيه إسترليني، وكذلك الروائيون المعاصرون مثل دان براون وستيفن كينغ وجوان رولينغ صاحبة سلسلة «هاري بوتر».

وهذا لا ينفي وجود روائيين كتبوا أعمالا خالدة لكنهم عاشوا فقراء، فكافكا عانى من العوز والمرض ولم يتمكن من طبع أي كتاب له في حياته، ولولا خيانة ماكس برود النبيلة الذي خالف وصيته وطبع كتبه لما سمعنا باسمه، وكذلك أب الرواية البوليسية إدغار ألان بو فقد عاش في فقر شديد وكان يتقاضى 9 دولارات على كل مقال ينشره، أما هرمان ملفيل صاحب موبي ديك أعظم رواية أمريكية فقد اضطر للعمل سنوات طويلة موظفا جمركيا ومات شبه منسي من القراء.

تكشف هذه الأمثلة التي ذكرناها حقيقة جوهرية تقول لنا، إن القيمة الثقافية للرواية ليست هي قيمتها السوقية بالضرورة.

فقد تكون الرواية عظيمة من الناحية الفنية لكنها محدودة الانتشار.

وقد تحقق رواية أخرى مبيعات ضخمة، رغم أن النقاد لا يعدونها عملا استثنائيا، فالروائي لا يبيع الورق والحبر، بل يبيع سنوات من المعرفة والخبرة والخيال والتأمل والعمل المتواصل لبناء عالم كامل مواز لعالمنا الواقعي، ومع ذلك فإن السوق غالبا ما يقيّم المنتج النهائي لا الزمن المستغرق في إنتاجه.

لذلك نعتبر أن ما صرحت به أولغا توكارتشوك والناتج عن تجربتها الشخصية، وتجارب عشرات الروائيين قبلها وبعدها، يشير بصراحة إلى فجوة كبيرة بين القيمة الثقافية للرواية والقيمة المالية التي يحصل عليها صاحبها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى سياسات ثقافية أكثر دعما للمبدعين، أهمها تعزيز حقوق الملكية الفكرية، ومكافحة القرصنة بأنواعها عبر قوانين صارمة تمنع هذا العبث الحاصل الآن، وتوسيع برامج المنح والإقامات الأدبية فتفريغ الروائي لعمله الإبداعي، يجعله منصرفا بكليته إلى روايته، من دون أن ينشغل باله بإيجار بيته أو لقمة عيشه.

وفي تشجيع الترجمة مصدر دخل جيد لأن الدور الغربية للأسف، أو لحسن حظ البعض لا تبخس الكتاب حقوقهم.

لا نجد في المجتمعات التي تنتج أدبا عظيما تحتفي بالروائيين بعد نجاحهم، أو بعد رحيلهم، بل نلاحظ أنها توفر لهم الظروف التي تسمح بالكتابة والإبداع خلال حياتهم.

ونحن ندرك تماما أن الأدب ليس الطريق الأسرع إلى الثروة، لكنه أحد أهم الاستثمارات الإنسانية في الذاكرة والخيال والمعرفة.

وإذا كانت الرواية العظيمة قادرة على البقاء قرونا، فإن من العدل أن يحصل من أفنى سنوات عمره في كتابتها على تقدير مادي يليق بقيمتها الثقافية والحضارية وفي حياته، وليس بعد موته، حتى لا يقال (الرواية ما توكل عيش)!شاعرة وإعلامية من البحرين.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك