تحتدم في بلدان غرب آسيا حروب وصراعات ونزاعات بين دول كبرى وصغرى وأحزاب سياسية وحركات مقاومة ومصالح خارجية ودعوات دينية وأيديولوجية.
استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب مرتين، وما زالت، لتهديم نظام إيران السياسي وتقسيم البلاد وتعطيل فعاليتها السياسية في بلدان غرب آسيا لكنهما أخفقتا، الأمر الذي حمل الرئيس ترامب على تفادي مخاطر وتحديات في الداخل الأمريكي أبرزها، انتخابات نصفية ستجري في مطلع نوفمبر القادم، فكان أن وافق على توقيع مذكرة تفاهم مع إيران الإسلامية قوامها وقف الحرب، ورفع الحصار، وفتح مضيق هرمز، والانتقال إلى الحوار والتفاوض خلال ستين يوماً، بغية التوصل إلى تسوية متكاملة بين البلدين لا يكون فيها غالب ولا مغلوب.
نتنياهو أحس بأن إسرائيل ستكون وحدها المغلوب على أمرها، بموجب مذكرة التفاهم، وأنها محكوم عليها بإجهاض مطامعها التوسعية فصعّد حربه في جنوب لبنان بقصد احتلال مناطق واسعة منه وتحويلها أوراق ضغطٍ بيده لابتزاز لبنان في المفاوضات المقرر أن تبدأ بينهما غداً في واشنطن.
وفيما تحاول إسرائيل توسيع سيطرتها لتشمل %70 من مجمل مساحة قطاع غزة، التي لا تتجاوز 36ا كيلومتراً مربعاً، تتطلع في الوقت ذاته إلى جرّ لبنان إلى اتفاق سياسي قياسي تسيطر بموجبه على مناطق عازلة واسعة في جنوبه.
إيران كانت تدرك أبعاد المطامع الصهيونية، فما أن أعلن نتنياهو عزم إسرائيل على البقاء في المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان وجنوب سوريا وقطاع غزة، حتى بادرت إلى إلغاء لقائها مع أمريكا في سويسرا يوم الجمعة الماضي للبحث في استكمال تفاصيل التفاهم المعلن معها خلال مهلة الستين يوماً، فهل تكتفي طهران بهذا الموقف الممانع؟ قوى المقاومة في لبنان بقيادة حزب الله بادرت بدورها إلى الإعلان بأنها لن تتوقف عن التصدي بالنار لقوات الإحتلال في جنوب لبنان، طالما إسرائيل لم تستكمل انسحابها التام إلى ما وراء الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة.
تبدو مهلة الستين يوماً المخصصة للحوار والتفاوض مرشحة إلى أن يتخللها المزيد من الاحتكاك والعمليات العسكرية، ما جعل بعض المراقبين يتساءل عمّا اذا كانت إيران عازمة على توجيه ضربة شديدة إلى إسرائيل لدفعها إلى تعجيل انسحابها الكامل من جنوب لبنان، لكن ذلك الاحتمال يبقى متوقفاً على مدى تجاوب نتنياهو مع ضغوط واشنطن الرامية إلى إنجاز انسحابه من جنوبي لبنان، مع العلم أنه ليس من المستبعد أن يكون ثمة تفاهم ضمني بين ترامب ونتنياهو، بحيث يستمر نتنياهو في احتلال مناطق في جنوب لبنان، أو يتلكأ في انسحابه منها لتحصيل أقصى ما يمكن من تنازلات لبنانية، وأن يكتفي ترامب المتقلّب من جانبه بتوجيه تحذيرات لفظية لحليفه الإسرائيلي المراوغ.
هذه المناورات لم تنطلِ على طهران، إذ سارعت إلى الإعلان عن إغلاق مضيق هرمز، ما أعاد الأزمة بكل ضغوطها ومخاطرها وتداعياتها السياسية والاقتصادية إلى واجهة المشهد الإقليمي المأزوم.
فماذا عن قوى المقاومة في لبنان؟المقاومة اللبنانية أعلنت استعدادها لوقف إطلاق النار، إذا التزم العدو الإسرائيلي بموقف مماثل وباشر الانسحاب من مناطق تمركزه في جنوب البلادهي أعلنت استعدادها لوقف إطلاق النار، إذا التزم العدو الإسرائيلي بموقف مماثل وباشر الانسحاب من مناطق تمركزه في جنوب البلاد.
غير أن ثمة اتجاهاً متنامياً لدى القوى الوطنية النهضوية المتحالفة مع قوى المقاومة بقيادة حزب الله، يدعو إلى اغتنام ظروف الصراع مع العدو الصهيوني، وما يرافقها من مفاوضات قد تطول وذلك بإطلاق حملة سياسية واسعة وضاغطة تطالب باقتران هدف إنهاء الاحتلال بمطلب إزاحة نظام التسلّط والفساد المسؤول أصلاً وفصلاً عن إضعاف الجسم الوطني والمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ما سهّل لإسرائيل احتلال مناطق عدّة في جنوبها.
ويقول دعاة هذا الاتجاه الإصلاحي، أن معظم أركان السلطة وقادة التكتلات والأحزاب السياسية يدّعون أنهم موافقون على الإصلاحات التي تضمّنها اتفاق الوفاق الوطني في مؤتمر الطائف، وبما أن هذه الإصلاحات قد جرى استيعابها في التعديل الدستوري الذي جرى سنة 1990 وأضحت تالياً جزءاً لا يتجزأ من أحكام الدستور، فقد آن الأوان، في رأيهم، لتنفيذ أحكام الدستور بلا إبطاء، لاسيما المواد 22 و24 و95 منه.
لا يجهل ولا يتجاهل الإصلاحيون، ودعاة حملة التعبئة لإزاحة نظام التسلّط والفساد الصعوبات الجمّة التي تواجههم في مجال إزاحة النظام، الذي ما زال روادّه وحلفاؤهم يتوارثون حكم لبنان منذ إستقلاله سنة 1943، لذا يستشهد الإصلاحيون بجملة حجج وواقعات وتطورات وتحوّلات تستوجب، في رأيهم، تغييراً للنظام الفاسد على النحو الآتي:*تتفجر أزمات سياسية واضطرابات أهلية مع انتهاء ولاية رؤساء الجمهورية المتعاقبين من دون أن يعقبها أي محاولة جدّية لمعالجة أسبابها وتداعياتها.
*عجز نظام التسلط والفساد السائد، عن توفير مرشحين وطنيين لرئاسة الجمهورية مقبولين من القوى والتكتلات السياسية والاجتماعية في البلاد، ما أدى إلى انتخاب قائد الجيش اللبناني خمس مرات متتالية لمركز الرئاسة لكون الجيش المؤسسة السياسية الرسمية الوحيدة الممكن اعتبارها عابرة للطوائف، من حيث أنها تضم عشرات آلاف الجنود والضباط من جميع الطوائف ولا تعاني تالياً صراعات ٍ طائفية.
*استشراء الفساد في جميع إدارات الدولة وأجهزتها والعجز عن إزالة أو معالجة أسبابه وتداعياته حتى بات الفساد طريقة حياة معترف بها رسمياً وأهلياً.
*شيوع الصراعات الطائفية والمذهبية في البلاد، ما سهّل التدخلات الخارجية وأوهَن الوحدة الوطنية وتسّبب باندلاع فتن أهلية.
*صعود إيران كدولة إقليمية قوية ونجاحها في التصدي للولايات المتحدة الأمريكية والحدّ من قدرتها على التحكم بسياسات دول غرب آسيا من شواطيْ البحر الأسود غرباً إلى أعالي جبال باكستان شرقاً، ومن شواطئ البحر الأبيض المتوسط جنوباً إلى شواطئ بحر قزوين شمالاً، الأمر الذي أضعف نفوذ أمريكا في الدول العربية المحيطة بإسرائيل من جهة، وعزّز من جهة أخرى الاتجاه الداعي إلى اغتنام فرصة صمود إيران المعادية لإسرائيل، والقادرة على مواجهة الولايات المتحدة والحدّ من ضغوطها على معظم الدول العربية المحافظة.
في ضوء هذه الواقعات والتطورات والتحوّلات يدعو الإصلاحيون ودعاة حملة التعبئة لإزاحة نظام التسلّط والفساد، إلى اغتنام الفرصة المتاحة بوجود مقاومة لبنانية منظّمة وقوية وفاعلة في وجه إسرائيل من جهة، ووجود دولة إقليمية قوية كإيران قادرة على مواجهة إسرائيل وحاضنتها الأمريكية من جهة أخرى، بمباشرة حملة تجاوز الشبكة السياسية التي تدير نظام التسلّط والفساد في وقتٍ باتت فيه الولايات المتحدة، أقل قدرة واستعداداً لدعم تلك الشبكة السياسية المترهلة والحريصة على التحّكم به واستغلاله.
المسار إلى تحقيق هذا الهدف الإصلاحي طويل وشائك وصعب، لكن المسيرة الطويلة تبدأ دائماً بخطوةٍ أولى.
ولعل الخطوة الأولى المطلوبة من قوى المقاومة في لبنان هي، الامتناع عن تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة قبل تحقيق هدفين جليلين: انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وانتقال لبنان من حال اللادولة الواهية، إلى حال الدولة القادرة والعادلة، بدءاً بتنفيذ أحكام الدستور الذي أصبح العديد من مواده يتضمن الإصلاحات المرتجاة منذ اكثر من نصف قرن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك