يبرز من وقت لآخر جدل في ملف الأزمة السودانية وتداولاتها السياسية والعسكرية، ما يثير الحيرة أكثر من الجدل، فقد استدعت الحرب، بكارثية نتائجها على مستوى البلاد (دولة وشعبا)، التفكير والبحث عن الدولة السودانية، وما إذا كانت موجودة بالمعنى الدستوري والجغرافي، قبل أن تتأسس من جديد على عقد اجتماعي، بمفاهيم أبعد من أن تكون متوافقة وطبيعة الأزمة نفسها.
ولم تكتفِ الحرب الجارية في السودان، في ضوء البحث عن حلول لتعقيداتها السياسية والعسكرية بين أطرافها، وتعدد اتجاهاتهم السياسية، بالتباعد السياسي في المواقف، بل على نظرية الدولة والحكم! وهو أمر يبدو غاية في الغرابة في حرب حصدت أرواح أربعمئة ألف إنسان، حسب تقارير أممية.
ومن أغرب من أنتجته الحرب، أو دفعت به نحو دوائر النقاش مسألة العلمانية، بما يعني فصل الدين عن الدولة بمفهومها التاريخي والفلسفي، في سياق صراع وتطور العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية، وعلاقة الحاكم بالمواطنين؛ وهذا الطرح لا يمكن تفسيره في ظل ما يجري من حرب أدت إلى تمزيق البلاد، إلا بوصفه هروبا إلى الأمام.
فإذا كان النزاع السياسي بالسيطرة على الحكم من محركات الصراع، الذي تفاقم وانفجر في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وجرّ معه بقية الأطراف السياسية والعسكرية الموجودة على خريطة النزاعات السودانية، فإن نمط الحكم لم يكن سببا مباشرا.
وعلى خلفية أزمة المفاهيم السياسية بين تيارات المكونات السياسية السودانية، من مسار ديمقراطي ونظم شمولية، استطالت في حكم البلاد، وصيغ حكم دستورية في منظومة طبيعة الحكم والإدارة السياسية، وعجزها عن وضع تصور شامل لإدارة بلد تتنوع أعراقه وثقافاته وجهوياته الجغرافية، لم تدخل العلمانية بعد في أجندة الحلول الواقعية لأزمات لازمت تقلبات البلاد السياسية والعسكرية.
ثم إن النخب السودانية لم تنشغل أو تجتهد فكريا، أو ممارسة في مسألة «العلمانية» إلا في حدود ما يطرح اليسار السوداني بشكل متواضع، أمام هيمنة خطاب الإسلام السياسي اليميني والديني، بالشكل الذي استغلته الحركة الإسلامية في حكم البلاد لمدة ثلاثين عاما متخذة من الدين شعارا.
النخب السودانية لم تنشغل أو تجتهد فكريا، أو ممارسة في مسألة «العلمانية» إلا في حدود ما يطرح اليسار السوداني بشكل متواضع، أمام هيمنة خطاب الإسلام السياسي اليميني والدينيوبالنظر إلى «العلمانية» القضية موضع الطرح والنقاش على أجندة خلافات الجماعات السياسية، فمنذ أن اندلعت الحرب وما شهدته من تحالفات بين أطرافها وما خرج من توصيات، شكلت العلمانية أو فصل الدين عن الدولة، أبرز النقاط الواردة في بيانات ووثائق واتفاقيات الأطراف السياسية المتنازعة، خاصة الأطراف المدنية المناوئة للحرب، أو تلك التي تقاتل جيش الدولة عسكريا.
ولعل أبرزها «تحالف تأسيس» بين الدعم السريع والحركة الشعبية شمال، وغيرها من جماعات، ما أدى إلى ما يسمى حكومة السلام في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع العام الماضي.
وقبلها منذ «إعلان المبادئ» الذي وقّعته الحكومة السودانية والحركة الشعبية شمال 2021 في عاصمة دولة جنوب السودان جوبا، مرورا بالتحالفات التي تشكلت بعد الحرب، وصولا إلى ميثاق قوى إعلان المبادئ السوداني الصادر مؤخراً في نيروبي في مايو الماضي.
ولو أن طرح علمانية الدولة والتشريع الإسلامي، له بعد تاريخي في البلاد كسجالات برلمانية ومزايدات سياسية أكثر منها رغبات تحمل على ارادات سياسية جادة.
وإذا كان التبرير الذي تسوغه الدعوة إلى علمانية الدولة ومدنيتها، أي دولة ما بعد الحرب يقوم على تأسيس سودان جديد، بعد أن احتدمت فيه علاقات السلطة والمركز والهامش لعقود، فإن موجباتها لم تعد ضرورة ملزمة لإيقاف الحرب، كما يروج لها من داخل المجموعات التي تسعى إلى إنهاء سلمي مدني وتفاوضي للأزمة.
ولأن الطرف الحكومي لم ينشغل كثيرا بمقاربة الفلسفة السياسية للحكم، لأن الدولة نفسها عادت إلى أحضان الحركة الإسلامية، سلطة النظام السابق الذي تبنى الشعارات الدينية في مقاومة التيارات المناوئة باتخاذ ذريعة الحكم العلماني من قبل الأحزاب السياسية المناوئة مبررا لقمعها.
إن في تبني العلمانية في الحكم الافتراضي، أو الواقع تحت ظل الصراع الدامي في البلاد والذي خلخل من بنية السلطة غيابها، بل خروج مناطق جغرافية بأكملها عن سيادة الدولة وحدودها، يصبح الحديث عن العلمانية منطقا لا يمكن تصور تطبيقه إلا في حدود ما شكلته الحرب نفسها من جغرافيا سياسية جديدة، مؤداها التقسيم الفعلي للبلاد.
ولم تكن مسألة «العلمانية» من ضمن طروحات القوى المناوئة للهامش ـ بعد انفصال جنوب القطر- بديلا عن قضايا مطلبية في التنمية المتوازنة والمساواة السياسية والدستورية بين المواطنين، فيما عرفته السياسة السودانية بمعادلة قسمة الثروة والسلطة.
وعليه لن يكون طرح العلمانية بديلا عن تلك القضايا الأساسية إلا في حال تجاوز السودان من حالة البدائية إلى عقل الدولة! والفرق بين الطموح في بناء دولة علمانية، تؤسس على قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة وحرية المعتقد، بأي من السياقين الغربي أو السوداني -إن وجد- يصعب أن يتم تدارك بؤرة الاحتكاك والمناطق العازلة، التي رسمتها الحرب بما تفرضه قوة السلاح أولا قبل أن تناقشه مجالات الفكر والسياسة.
وبالتالي لا يمكن أن تكون «العلمانية» في واقع الصراع السوداني حلا مهما تبدت مثالية الطرح، ثمة حقائق في الواقع السياسي السوداني الموروث تستند إلى فاعلية منجزة في توجهها السياسي الديني، ولو أنها لا تصرح علانية بذلك ممالأة لما يسود العالم من نظم باتت حقوقا للإنسان لا غنى عنها في بناء الدول ونظمها.
والموقف من حقوق الإنسان في الحرب الدائرة من السودان له سجل دام باعتبار النزاعات السودانية تقوم على انتهاكات جسيمة لتلك الحقوق من قبل الأطراف المتقاتلة كافة.
فالموقف الذي واجه به حزب الأمة السوداني وهو من أكبر أحزاب اليمين من دون خطاب سياسي إسلاموي؛ إعلان مبادئ حلفائه في جبهة القوى المدنية «صمود» برئاسة رئيس وزراء الفترة الانتقالية الدكتور عبد الله حمدوك مؤخرا معترضا على ما نص في ميثاقه عن فصل الدين عن الدولة وإقرار المواطنة المتساوية أساسا للحقوق والواجبات.
ومن هنا يبدو أن الأزمة السودانية انتقلت من الصراع السياسي والعسكري إلى صراع لاهوتي لا جدوى من ورائه في وقف الحرب.
وبهذا تكون الحرب قد صاغت علمانيتها بين حلفائها المناوئين للحرب وفق تصورات كل طرف لمرحلة ما بعد الحرب ولشكل الدولة المفترض ولعلاقات حكم تقوم على رغبات قد تحققها النصوص أكثر من أن تنفذها إدارة الدولة.
وبما أن طرفي الحرب (الجيش والدعم السريع) باعتبارهما أصحاب القرار في الحرب والحكم لا يبديان اهتماما لمثل هذه القضايا الخلافية، فما يحقق مكاسبهما السياسية والعسكرية مصدره القوة الخشنة، لا تأويلات الفلسفة السياسية والدستورية الناعمة.
ولأن الدولة لم يعد يحكمها ما يحكم مثيلاتها في بلدان العالم الثالث، من حيث النص على أن يكون الدين والأعراف مصدر السلطات، أو غيرها من اصطلاحات تبقى مكانها في النص لا الواقع لحين اشعار آخر؛ أصبحت محاولة استعادتها شبه مستحيلة بخطوطها الجغرافية والاجتماعية الجديدة.
فأي حديث عن نظام سياسي جديد يمكن تعريفه علمانيا أو ديمقراطيا أو عسكريا، بحاجة إلى إعادة تعريف قياسا على سودان ما بعد الحرب بكل مشروعاته التقسيمية الجديدة.
وربما كان خطأ الاجتهاد أنه انبثق عن طموح لا تعززه إرادة سياسية، أو على الأرجح قدرة نافذة على تطبيق ما تتصوره التحالفات السياسية السودانية بتعدد كياناتها ودورها في ما يجري من فظاعات في الأزمة السودانية جراء قتال بلا هدف.
ومن ثم انصرف الحديث إلى قضايا ـ على فاعليتها في السلطة والدولة- سجالية، ما انعكس على جدول الأولويات، التي تستدعيها الحرب ومهامها الجسيمة المؤجلة، خاصة أن جذور الأزمة ليست قانونية في تطبيق الشريعة الإسلامية أو علمانية في فصل الدين عن الدولة، وإلا واجه الواقع السياسي السوداني الجديد بين طرفي القتال في حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، وتلك الموازية في نيالا من صعود علمانية جزئية على حد تعبير المفكر المصري عبد الوهاب المسيري في كتابه: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك