وكالة الأناضول - سموتريتش: لا انسحاب من لبنان قبل نزع سلاح "حزب الله" رويترز العربية - الجيش السوداني يضم قادة منشقين من قوات الدعم السريع في دارفور وكالة الأناضول - عائلة مقدسية تواجه دعوى إسرائيلية بـ416 ألف دولار مقابل السكن في منزلها DW عربية - رسالة منتخب إيران في غرفة الملابس بعد التعادل مع بلجيكا وكالة الأناضول - سويسرا: نرحب بالتقدم البناء في المحادثات الأمريكية الإيرانية قناة الجزيرة مباشر - رئيس الوزراء القطري للجزيرة: مذكرة التفاهم تقوم على التزام الطرفين بالاجتماع وحل المعضلات قناة القاهرة الإخبارية - أوروبا بين تقليص الاعتماد وتجنب حرب تجارية مع الصين قناة القاهرة الإخبارية - ارتفاع صادرات النفط الإيراني عبر مضيق هرمز.. وستارمر يعلن استقالته| النشرة الاقتصادية قناة الجزيرة مباشر - طهران تربط فتح مضيق هرمز بالإفراج عن الأموال المجمدة والانسحاب من لبنان وكالة الأناضول - عون: نرحب بأي مساعدة لإنهاء الحرب لكن لا أحد يفاوض عن لبنان
عامة

رحيل رجل عاش للتاريخ

سودانايل الإلكترونية
1

بعض الناس يرحلون فتغيب أجسادهم، لكن أصواتهم تظل تتردد في الذاكرة، وكلماتهم تبقى حاضرة في المجالس والكتب ووجدان التلاميذومن هؤلاء كان أستاذي وصديقي البروفيسور عز الدين عمر موسى، الذي غادر دنيانا في ا...

بعض الناس يرحلون فتغيب أجسادهم، لكن أصواتهم تظل تتردد في الذاكرة، وكلماتهم تبقى حاضرة في المجالس والكتب ووجدان التلاميذومن هؤلاء كان أستاذي وصديقي البروفيسور عز الدين عمر موسى، الذي غادر دنيانا في الولايات المتحدة الأمريكية، مخلفاً وراءه إرثاً لا يغيب، ورحلة طويلة من العلم والعطاء الدؤوب في خدمة المعرفة والإنسانتلقيت نبأ رحيله بحزن عميق، ليس لأن السودان فقد مؤرخاً كبيراً فحسب، بل لأننا فقدنا إنساناً نبيلاً، وصاحب روح كريمة، وعقلاً متقداً ظل حتى سنواته الأخيرة مشغولاً بقضايا الفكر والثقافة والتاريخ ومستقبل السودانمسيرة حافلة- من توتي إلى العالميةوُلد البروفيسور عز الدين في جزيرة توتي عام 1936، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والصلاحولم يكن مجرد أكاديمي أو أستاذ جامعي، بل كان من ذلك الجيل الذي آمن بأن المعرفة رسالة وليست وظيفة، وأن الجامعة ليست مبنى وشهادة فحسب، وإنما مشروع لبناء الإنسان والعقل والمجتمعبعد تعليمه الأولي في السودان، انطلق في رحلة علمية واسعة قادته إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم إلى نيجيريا في جامعة أحمدو بِلُّو، وصولاً إلى جامعة الملك سعود بالرياض، حيث أمضى خمسةً وعشرين عاماً من التدريس والبحث العلمي والإشراف الأكاديميثم عاد إلى وطنه حاملاً مشروعه الثقافي والمعرفي، مؤمناً بأن العلم لا قيمة له إن لم يتحول إلى خدمة للمجتمعلقد كان واحداً من أبناء السودان الذين حملوا اسم بلادهم إلى فضاءات العلم والمعرفة، فاحترمه طلابه وزملاؤه داخل السودان وخارجه، وأصبح اسمه مرتبطاً بالدراسات التاريخية الإسلامية والأفريقية الرصينةالتاريخ كأداة لفهم الحياةكان البروفيسور عز الدين من المؤرخين الذين نظروا إلى التاريخ بوصفه حياة كاملة لا مجرد تواريخ وأسماءلم يكن مشغولاً بالملوك والحروب وحدها، بل بالناس العاديين أيضاً؛ كيف عاشوا؟ وكيف بنوا مجتمعاتهم؟ وكيف تحركت مواردهم واقتصاداتهم؟ ولذلك جاءت كتاباته مختلفة، تجمع بين الدقة الأكاديمية واتساع الأفق الإنسانيلم يكن مؤرخاً يكتفي بسرد الحوادث أو “تحنيط” الماضي، بل كان يؤمن بأن التاريخ وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبلوكان يزن الكلمات بميزان العلم، مبتعداً عن التعصب والانفعال، وهو ما تجلى في مؤلفاته الرصينة، وعلى رأسها كتابه الشهير “النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي في القرن السادس الهجري”، الذي نال عنه جائزة الملك فيصل العالميةكما تميزت أعماله بالمراجعة النقدية للمفاهيم والمنظورات التاريخية، والسعي الدائم إلى توسيع آفاق البحث العلمي، وربط العالم العربي والإسلامي بامتداداته الأفريقية، بعيداً عن النظرات الضيقة والحدود المصطنعة ولهذا بقيت مؤلفاته مراجع مهمة للباحثين والمهتمين بالتاريخ الإسلامي والأفريقيلكن ما سيبقى في ذاكرتي أكثر من مؤلفاته ومكانته العلمية الرفيعة هو تواضعه الإنسانيكنت كلما التقيته أشعر أنني أمام عالم كبير يخفي خلف علمه الغزير تواضعاً نادراًلم يكن يتحدث من موقع الأستاذ الذي يملي المعرفة، بل من موقع الإنسان الذي يشارك الآخرين خبرته بمحبة وهدوءظل قريباً من الناس، بسيطاً في حديثه، كريماً في نصحه، يفتح لتلاميذه أبواب قلبه قبل أبواب المعرفةوكان يؤمن بأن العلم الحقيقي لا يقاس بعدد الكتب المنشورة أو المناصب التي شغلها الإنسان، وإنما بالأثر الذي يتركه في حياة الآخرينوقد تجسد هذا الإيمان عملياً في تأسيسه لمركز العز بن عبد السلام للدراسات العربية الإسلامية الأفريقية عام 2005، الذي تحول إلى منارة للفكر والحوار والبحث العلمي، وإلى فضاء رحب لتكريم العلماء والمفكرين وخدمة الثقافة السودانية والعربية والأفريقيةوما أشد وقع كلماته التي كتبها بعد مغادرته السودان في سنوات الحرب، حين عبّر عن أمنيته أن يموت بين أهله ويُدفن في تراب وطنه الذي أحبه كانت كلمات موجعة تكشف حجم تعلقه بالسودان، وعمق انتمائه إليه، رغم ما أصابه من وهن المرض وتقدم العمرلكنها إرادة الله التي لا راد لقضائه؛ فقد اختار له أن يرحل بعيداً عن الأرض التي أحبها، بينما ظل قلبه معلقاً بها حتى آخر أيامهرحل البروفيسور عز الدين عمر موسى، لكن العلماء لا يرحلون تماماًة ,و يبقون في الكتب التي ألّفوها، وفي المؤسسات التي أسسوها، وفي القيم التي غرسوها في نفوس أجيال من الباحثين والطلاب والمثقفينلقد خسر السودان اليوم واحداً من رجاله الكبار، وخسر المؤرخون علماً من أعلامهم، وخسر كثير منا أستاذاً وصديقاً ومعلماً.

غير أن عزاءنا أن أثره باقٍ، وأن سيرته ستظل حاضرة في ذاكرة الثقافة السودانية والعربية زمناً طويلاً.

رحم الله البروفيسور عز الدين عمر موسى رحمة واسعة، وجعل علمه وعطاءه في ميزان حسناته، وألهم أسرته وتلاميذه ومحبيه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك