لكن المشكلة لا تبدأ في الصورة ولا تنتهي عندها.
فالغابة التي تحترق في البرازيل أو بوليفيا أو الكونغو أو جنوب شرق آسيا لا تترك أثرها داخل حدودها الجغرافية فقط، ولا تبقى مأساة بعيدة عن المدن والأسواق والموائد.
تحترق الغابات أحيانًا كما لو أنها خبر بيئي متكرر.
نراه في نشرات الأخبار، نتوقف أمامه للحظة، ثم نواصل يومنا.
لكن الغابات المطيرة ليست مشهدًا طبيعيًا بعيدًا عن حياتنا اليومية.
هي جزء من نظام واسع يربط المناخ بالماء، والزراعة بالطعام، والهواء الذي نتنفسه بالقرارات الاقتصادية التي تُتخذ في أماكن كثيرة من العالم.
تحديات تواجه الغابات المطيرةظهر اليوم العالمي للغابات المطيرة للتذكير بأهمية هذه النظم البيئية في حماية المناخ والتنوع الحيوي وسبل عيش المجتمعات التي تقيم داخلها أو قربها.
لكنه يأتي اليوم في لحظة أشد تعقيدًا.
فالغابات لم تعد تواجه خطر القطع وحده.
بل هناك مزيج ضاغط من التوسع الزراعي، وتربية المواشي، والتعدين، وشق الطرق، والجفاف، وارتفاع الحرارة، والحرائق التي تبدأ بفعل الإنسان ثم تخرج عن السيطرة عندما تجف الأرض وتضعف الغابة.
تبدو الغابات المطيرة في المخيلة العامة مكانًا لا تنتهي فيه الرطوبة.
أشجار عالية، أنهار واسعة، أمطار غزيرة، وحياة نباتية وحيوانية كثيفة.
لكن هذه الصورة لم تعد كافية لفهم ما يجري.
فالغابة الرطبة يمكن أن تصبح قابلة للاشتعال عندما تتعرض للقطع والتجزئة والجفاف الطويل.
تسمح الأطراف المفتوحة بدخول الرياح والحرارة، والفراغات التي تتركها الجرافات تجعل النار أسرع حركة، والطرق الجديدة تقرّب النشاط البشري من قلب النظام البيئي.
وفي الأمازون، لا تكون النار حدثًا طبيعيًا في قلب الغابة الرطبة.
غالبًا ما ترتبط بإزالة الغابات أو تنظيف الأراضي أو إدارة المراعي والمحاصيل.
ففي سنوات الجفاف، تتحول النار الصغيرة إلى حريق واسع.
وما كان أداة محلية لتهيئة أرض زراعية، يصبح جزءًا من أزمة مناخية أوسع.
النار التي تغيّر وظيفة الغابةتعمل الغابات المطيرة كخزانات ضخمة للكربون.
تمتص الأشجار ثاني أكسيد الكربون وتخزنه في جذوعها وجذورها وتربتها.
حين تُقطع الأشجار أو تُحرق، يعود جزء كبير من هذا الكربون إلى الغلاف الجوي، فتزداد قدرة الكوكب على الاحترار.
فالحريق لا يزيل أشجارًا فقط، بل يغيّر وظيفة الغابة نفسها.
فالغابة السليمة تمتص وتبرد وتعيد تدوير الرطوبة، أمّا الغابة المتدهورة فتفقد جزءًا من هذه القدرة.
ومع تكرار الحرائق، تتراجع كثافة الأشجار وتتغير أنواع النباتات وتضعف التربة وتنخفض قدرة المكان على مقاومة الجفاف التالي.
وهكذا تدخل الغابة في حلقة خطرة: قطع وجفاف، ثم نار، ثم قدرة أقل على إنتاج الرطوبة، ثم موسم أكثر حرارة وجفافًا، ثم نار جديدة.
لهذا لا تحترق الغابات وحدها.
عندما تشتعل، يشتعل معها جزء من التوازن الذي يسمح للمناخ بأن يبقى أقل قسوة.
يتحول الحريق من مشهد محلي إلى إشارة عن خلل في علاقة الإنسان بالأرضوبالإضافة إلى تخزين الكربون، تشارك غابة الأمازون في صناعة المطر.
تطلق الأشجار بخار الماء إلى الهواء عبرعملية النتح، فيتجمع هذا البخار في تيارات رطبة تعرف أحيانًا باسم" الأنهار الطائرة".
تتحرك هذه الرطوبة فوق القارة وتؤثر في الأمطار التي تحتاج إليها الزراعة والسدود والمدن في مناطق واسعة من أميركا الجنوبية.
وحين تتراجع الغابة، تضعف هذه الآلة.
فخسارة الغابات تضغط على دورة المياه، وتزيد مخاطر الجفاف، وتؤثر في الإنتاج الزراعي، ثم تدخل هذه الآثار في شبكة الغذاء العالمية: أعلاف، لحوم، زيوت نباتية، قهوة، كاكاو، فواكه، سلع أولية، وأسعار تتأثر بالمناخ والطلب والنقل والسياسات التجارية.
فالطبق اليومي لا يأتي من المطبخ وحده بل من أرض وماء ومطر وتربة وسلاسل توريد طويلة.
وقد يبدو توسع الزراعة على حساب الغابات استجابة لحاجة السوق.
لكن التوسع نفسه يمكن أن يضعف شروط الزراعة في المستقبل.
يربح المزارع الأرض على المدى القصير، ويخسر العالم نظامًا يساعد الأرض على الإنتاج على المدى الطويل.
المجتمعات المحلية الخاسر الأولرغم أن آثار الغابات المطيرة عالمية، فإن الثمن الأول يقع على المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية.
فالغابة بالنسبة إليهم بيت ومعرفة وغذاء ودواء وذاكرة وهوية.
وفهم يخسرون جزءًا من عالمهم اليومي عندما تُقطع الأشجار أو تشتعل.
كذلك تلوّث الحرائق الهواء وتؤذي الصحة وتضرب مصادر الرزق وتدفع الناس إلى النزوح أو تغيير أنماط حياتهم.
ومع ضعف الغابات، تتراجع القدرة على الصيد والزراعة الصغيرة وجمع الثمار والنباتات.
وفي كثير من الحالات، تقف المجتمعات التي حافظت على الغابات طويلًا في مواجهة ضغوط اقتصادية وقانونية وأمنية أكبر منها.
لهذا لا يمكن حماية الغابات عبر صور جميلة وشعارات عامة فقط.
إذ تبدأ الحماية من الاعتراف بمن حمى هذه المناطق فعليًا، ومن منح المجتمعات المحلية حقوقًا واضحة في الأرض، ومن وقف النشاطات غير القانونية، ومن جعل الاقتصاد أقل اعتمادًا على تحويل الغابة إلى سلعة سريعة.
هل يكفي أن نزرع أشجارًا جديدة؟ورغم أهمية إعادة التشجير، لكنها لا تعوّض بسهولة خسارة غابة مطيرة قديمة.
فالغابة هي هي شبكة معقدة من كائنات وتربة ومياه وفطريات وحشرات وطيور وثدييات وعلاقات تكونت عبر زمن طويل.
يمكن للغرس أن يساعد في ترميم مناطق متدهورة، لكنه لا يبرر حرق الغابات القائمة أو قطعها.
وتختلف الغابة الأصلية عن نظام الزرع الجديد.
فالأولى تخزن كربونًا أكبر، وتستضيف تنوعًا حيويًا أوسع، وتملك قدرة أعلى على تنظيم الماء والحرارة.
أمّا الغابات المزروعة حديثًا فتحتاج إلى وقت طويل لتقترب من جزء من هذه الوظائف، وقد تفشل إذا زرعت بأنواع غير مناسبة أو في بيئات لا تستعيد توازنها بسهولة.
فالحماية الحقيقية تعني منع الخسارة قبل الحديث عن التعويض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك