فليعذرني القارئ إن سبق الوجدانُ البيان، وغلب سلطانُ الوفاء سلطانَ اللسان، واستولى معنى الولاء على القلب والجَنان؛ حتى ضاق اللفظُ بما اتسع له الصدر، وقصر القولُ عمّا طال فيه الشكر، وعجز القلمُ عن بعض ما أودعه الفؤاد من حبٍّ وذكر.
فإن الحديث عن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، ليس حديثَ مُلكٍ وسلطان، ولا حديثَ حكمٍ وديوان، ولا حديثَ قائدٍ في سجل الزمان؛ بل هو حديثُ مقامٍ عظيم، وعهدٍ كريم، وملكٍ حكيم، اجتمع فيه حزمُ الدولة وهيبتُها، وحكمةُ التاريخ ورصانتُها، ورحمةُ الأب وحنانُه، ووقارُ الملك وجلالُه؛ حتى صار اسمه في ضمير البحرين عهدًا لا يُنسى، وصوته في وجدانها نداءً لا يُعصى، وأمره السامي ميثاقًا لا يُقرأ بالحروف وحدها، بل يُتلى بما في القلوب من محبة، وما في الأعناق من بيعة، وما في الأرواح من وفاء، وما في الدماء من ولاء.
وحين يصدر الأمر الملكي السامي بإنشاء وتشكيل لجنة توثيق ملحمة الصمود الوطني، فليس ذلك أمرًا عابرًا في سياق القرار، ولا خبرًا يمرُّ في زحام الأخبار، ولا مادةً تُقرأ ثم تُطوى في الأسفار؛ بل هو نداءُ ذاكرة، وإعلانُ بصيرة، وتثبيتُ مسيرة، أراد به جلالة الملك المعظم أيده الله، أن يُخرج الصمود من حيز الرواية إلى مقام الشهادة، ومن دفء الصدور إلى صون السطور، ومن حديث المجالس إلى سجل الدولة، حتى لا يضيع حقٌّ بين غفلة ونسيان، ولا يختلط صدقٌ بزور وبهتان، ولا تبقى ملحمة البحرين نهبًا لمن جهل قدرها، أو جحد فضلها، أو أراد أن يطمس نورها.
وما أعمقها من تسمية حين سمّاها جلالة الملك ملحمة الصمود الوطني؛ فإن الصمود ليس حجرًا جامدًا، ولا موقفًا باردًا، ولا ثباتًا بلا روح، بل هو حبٌّ إذا امتحن ثبت، وولاءٌ إذا نودي أجاب، وبيعةٌ إذا اشتد الخطب ازدادت رسوخًا واحتسابًا.
وما كان صمود البحرين إلا صورةً من صور ذلك الحب المتبادل بين ملكٍ أحب شعبه فأكرمه، وشعبٍ أحب ملكه فأخلص له؛ حبٌّ لا تلوّنه المصالح، ولا تضعفه العواصف، ولا تشوبه شائبة الرياء، ولا يداخله دخان النفاق؛ لأنه حبٌّ وطنيٌّ صادق، نشأ في البيوت، وسرى في الدماء، واستقر في الضمائر، وتوارثته القلوب قبل أن تكتبه الأقلام.
إن البحريني المخلص لا يقف في ولائه على حرفٍ يردده، ولا على شعارٍ يرفعه، ولا على مناسبةٍ ينتظرها؛ بل يحمل البيعة في عنقه حمل الأمانة، ويحفظ العهد في قلبه حفظ الديانة، ويرى في جلالة الملك حفظه الله ورعاه، رمز الدولة وعنوانها، وراعي النهضة وبانيها، وحكيم البحرين وأمين مجدها، ووالد شعبها وسند وحدتها.
فإذا قيل: الصمود، قال البحريني: هذا بعض ما نملك.
وإذا قيل: الولاء، قال: هذا أصل ما ورثنا.
وإذا قيل: البيعة، قال: هذه في أعناقنا كابرًا عن كابر، لا يملكها طارئٌ فينقضها، ولا عابرٌ فيبددها، ولا دخيلٌ فيساوم عليها.
فالبيعة لآل خليفة الكرام ليست في وجدان أهل البحرين ورقةً في دفتر، ولا أثرًا من آثار الأمس، ولا قولًا يقال ثم يزول؛ بل هي ميراث آباء، ووصية أجداد، وعهد رجال، وناموس دار.
نتوارثها كما نتوارث أسماءنا، ونحفظها كما نحفظ أنسابنا، ونحملها كما نحمل دماءنا في عروقنا، ونصونها كما نصون عاداتنا وتقاليدنا ومبادئنا.
فمن أراد أن يعرف البحرين فليعرف هذا السر؛ أن الولاء فيها ليس طارئًا على الناس، بل ساكنٌ في النفوس؛ وليس ضيفًا على التاريخ، بل صاحب بيتٍ فيه؛ وليس صوتًا عند الرخاء فحسب، بل موقفٌ عند الشدة، وثباتٌ عند العاصفة، ووفاءٌ حين تُطلب معادن الرجال.
ولقد جاءت هذه اللجنة الوطنية لتوثق لا مجرد وقائع، بل معاني الوقائع؛ لا صور الأحداث وحدها، بل روح الأحداث؛ لا اعتداءاتٍ واجهتها البحرين فحسب، بل وحدةً صنعت الرد، وقيادةً رسمت الطريق، ومؤسساتٍ أدت الأمانة، وشعبًا وقف حيث يجب أن يقف.
فهي لجنةٌ تحفظ الذاكرة الوطنية المؤسسية، وترسخ السردية البحرينية الموثقة، وتجمع الشواهد بالحقائق والأدلة، وتودعها في الأرشيف الوطني لا لتنام بين الرفوف، بل لتنهض في عقول الأبناء، وتضيء في مناهج التعليم، وتحضر في منابر الإعلام، وتستقر في مراكز البحث، شاهدةً على أن البحرين لا تنسى من اعتدى، ولا تغفل عمّن تآمر، ولا تفرّط في حقٍّ أثبته التاريخ، ولا في كرامةٍ صانتها الدولة.
وإن أعظم ما في الأمر الملكي السامي أنه يردُّ على العدوان بالحقيقة، وعلى الزيف بالوثيقة، وعلى التشويه بالسجل، وعلى النسيان بالحفظ.
فالعدو قد يهاجم حدود الأرض، أما الزيف فيحاول أن يهاجم حدود الذاكرة؛ والاعتداء قد يقع في زمنٍ وينتهي، أما التزييف فقد يمتد إن لم يجد من يوقفه بالحجة والبرهان.
ومن هنا تتجلى حكمة جلالة الملك أيده الله، في أنه لا يحمي الحاضر وحده، بل يحمي ذاكرة الحاضر من أن تُسرق، ويحمي مستقبل الأبناء من أن يُربّى على روايةٍ ناقصة، أو شهادةٍ مبتورة، أو حقيقةٍ بلا أرشيف.
هكذا يكون القائد حين يكون أكبر من الحدث، وأبعد نظرًا من اللحظة، وأعمق قراءةً من ظاهر الخبر.
وهكذا يكون جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه: قائدًا إذا أمر جمع، وإذا وجّه أنار، وإذا نظر أبصر ما لا يبصره غيره؛ يرى في التوثيق أمنًا للذاكرة، وفي الأرشفة صونًا للسيادة، وفي التعليم بناءً للوعي، وفي الإعلام حراسةً للحقيقة، وفي البحث تثبيتًا للبرهان.
فليس غريبًا على ملكٍ جعل البحرين في عهده دولةً راسخة البنيان، سامية المكان، عزيزة الشأن، أن يجعل من الصمود ملحمة، ومن الملحمة وثيقة، ومن الوثيقة مدرسة، ومن المدرسة عهدًا لا يبلى.
وقد واجهت البحرين الاعتداءات الإيرانية الغاشمة لا بوهنٍ ولا وجل، ولا بترددٍ ولا خذلان، بل واجهتها بقيادةٍ ثابتة، ومؤسساتٍ يقظة، وشعبٍ وفيّ، ووعيٍ وطنيٍّ عصيٍّ على الاختراق.
وكانت وحدة القيادة والشعب هي السور الذي لم يُثلم، والحصن الذي لم يُهدم، والراية التي لم تنكس.
فكلما ظنّ المعتدي أن في البحرين منفذًا، وجد أمامه وطنًا واحدًا؛ وكلما توهّم أن الولاء فيها قابلٌ للقسمة، وجده كتلةً صلبةً لا تقبل الكسر؛ وكلما أراد أن يبعثر الصف، ازداد الصف انتظامًا؛ وكلما أراد أن يطفئ النور، ازداد النور اتقادًا.
وليس في ذلك عجب؛ فالشعوب التي تعرف ملوكها لا تضل طريقها، والأمم التي تحفظ بيعتها لا تبيع عهدها، والأوطان التي تتربى على الوفاء لا تسقط في فخ الدعاية ولا في شرك الخيانة.
ومملكة البحرين، منذ عرفها التاريخ، دار عهدٍ لا غدر، ودار وفاءٍ لا جحود، ودار ولاءٍ لا ازدواج.
لها ملكٌ يحنو عليها حنو الأب على أبنائه، ويحفظها حفظ الراعي لرعيته، ويقودها قيادة الحكيم الذي يعرف متى يحزم ومتى يرحم، ومتى يرفع الصوت ومتى يغلب الحلم، ومتى يجعل من الحدث عبرة، ومن العبرة ذاكرة، ومن الذاكرة مجدًا.
فيا جلالة الملك المعظم، إن قلتم: ملحمة الصمود الوطني، قلنا: نعم، هي ملحمة صمود؛ ولكنها في أعماقها ملحمة حبٍّ لجلالتكم لا يخبو، وولاءٍ صادقٍ لجلالتكم لا ينحني، وبيعةٍ لجلالتكم لا تنقضي.
وإن أمرتم بتوثيقها في سجل الوطن، فقد وثقها البحرينيون قبل ذلك في قلوبهم، ونقشوها في ضمائرهم، وحملوها في أعناقهم.
وإن أُودعت في الأرشيف الوطني وثيقةً وشهادة، فهي مودعةٌ في دماء أهل البحرين عهدًا للوطن، ووفاءً لجلالتكم، وإخلاصًا للراية.
حفظ الله حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، وأدامه للبحرين عزًا وسندًا، وذخرًا ومجدًا، ووالدًا وقائدًا، وراعيًا وحكيمًا.
وستبقى مملكة البحرين في ظل جلالته وطنًا لا يُكسر، ورايةً لا تُنكس، وبيعةً لا تُنقض، وولاءً لا يُشترى، وصمودًا لا يُنسى؛ لأن في أعناق أهلها عهدًا موروثًا، وفي صدورهم حبًا مغروسًا، وفي دمائهم وفاءً موصولًا، وفي تاريخهم اسمًا جامعًا لا يختلفون عليه ولا يفترقون دونه: مملكة البحرين، تحت راية ملكها المعظم، ماضيةٌ بعزتها، ثابتةٌ بسيادتها، شامخةٌ بولائها، خالدةٌ بصمودها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك