بعد نحو ثلاث سنوات من الملاحقة القضائية والسياسية في أروقة المحاكم الإسرائيلية، أصدرت محكمة الصلح في حيفا، اليوم الاثنين، حكماً على الناشطين أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين، من مدينة أم الفحم في الداخل الفلسطيني، بالاكتفاء بفترة الاعتقال التي أمضياها سابقاً مع إلزام كل منهما بدفع كفالة مالية بقيمة خمسة آلاف شيكل، إضافة إلى فرض عقوبة بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ، وذلك على خلفية تضامنهما مع غزة ورفضهما المجازر الإسرائيلية المرتكبة في القطاع، خلال تظاهرة سلمية شاركا فيها، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد أيام من اندلاع الحرب.
وقضى جبارين ثمانية أشهر في السجن فيما قضى خليفة أربعة أشهر، واستمرت محاكمتهما بعد إطلاق سراحهما بشروط مقيّدة.
ويأتي الحكم بعد إدانتهما في إبريل/نيسان الماضي بتهمتي" التحريض غير المباشر على الإرهاب" و" التماهي مع منظمة إرهابية"، وتبرئتهما من تهمة" التحريض المباشر على الإرهاب".
وتتجاوز القضية ملف الناشطين، ذلك أنّها أثارت منذ بدايتها مخاوف جدية تتعلق بحرية التعبير والعمل السياسي للفلسطينيين في الداخل، في ظل استخدام قانون مكافحة الإرهاب (2016) لتجريم الخطاب السياسي والهتافات التي استُخدمت على مدار سنوات طويلة في التظاهرات الفلسطينية في أراضي 48.
وعليه، تندرج هذه القضية ضمن سياق أوسع من السياسات المتبعة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي شهدت تصعيداً غير مسبوق في ملاحقة حرية التعبير والرأي.
وجاء الحكم في ختام مسار قضائي طويل استند إلى هتافات سياسية فقط رُددت خلال التظاهرة، دون أن تتضمن أي دعوة للعنف أو أي ذكر لـ" تنظيم إرهابي" وفقاً للقانون الإسرائيلي.
ورغم ذلك تحولت هذه الهتافات بحد ذاتها إلى أساس لملاحقة جنائية استمرت أكثر من عامين ونصف، وانتهت اليوم بفرض عقوبات بحق المتهمين.
" يحاولون تجريمنا حتى لا ندعم أبناء شعبنا"وقال المحامي أحمد خليفة، أحد الناشطين المتهمين في القضية، عقب صدور القرار اليوم: " في هذا الملف حاولنا وسنبقى نحاول في الاستئنافات، تقديم لائحة اتهام في وجه هذه المؤسسة، وهذا التصرف العنصري، وهذه المحاكم العنصرية التي باتت مجرد ختم مطاطي، تستعمله شرطة إسرائيل ونيابتها لتجريمنا وتجريم نضالنا الوطني والشرعي وتخويفنا، حتى لا نخرج في تظاهرات داعمة لأبناء شعبنا، الذي نحن جزء منه".
وأضاف خليفة: " نحن تحمّلنا المسؤولية كاملة عن تصرفّنا، وقلنا إننا تظاهرنا مع غزة بوعي، وسنبقى نتظاهر وهذا حق غير قابل للمصادرة.
هذا حق طبيعي مستحيل أن نتنازل عنه.
أنا ومحمد سُجنّا وما زلنا نُحاكم ونُلاحق، لأننا رددنا: (يا غزي (غزة) لا تهتزي).
سنبقى على دربنا هذا، وسنقدّم لائحة اتهام في وجه كل القضاء الإسرائيلي على هذه المحكمة السياسية.
نحن فرحون بفرح المتضامنين معنا، ولأننا لن نعود إلى تلك المسالخ (السجون)، التي أصبحت مقابر للأحياء.
وبالأمس فقط استشهد أسير شاب من النقب رغم أنه كان بصحة جيدة قبل اعتقاله".
ودعا خليفة الأسرى إلى الصمود، مناشداً الناس عدم نسيانهم.
وقال" أنا ومحمد خرجنا وإن كان أمامنا مسار شائك آخر، ولكن هناك أسرى يستشهدون في الأسر.
نحن أمام منحى محوري، على مستوى أننا في الداخل بلا حماية، وإن لم تكن هناك حالة تكاتف واضحة وحالة نضالية واضحة تقف في وجه ما يُسمى محاكم، فإن النتيجة ستكون سيئة مستقبلاً".
واختتم خليفة: " لن نقبل بفكرة إدانة نضالنا، ولن نتنازل عنه مهما كان الثمن".
من جانبه، شكر الناشط محمد طاهر جبارين" المتضامنين الذين أكّدوا أن همّنا واحد ومصيرنا واحد وجميعنا جسد واحد في وجه هذه المحاكمات الظالمة".
وقال" نحن سعداء بالحكم وبمشاعر كل من فرح لأجلنا، لكن نؤكد أن هذه المحكمة حكمت قبل ذلك على نفسها وعلى ديمقراطيتها التي تدّعيها (بسبب الإدانة)، وأكدت أنه لا توجد حرية تعبير ولا حق في التعبير.
نحن عبّرنا عن مشاعرنا تجاه أبناء شعبنا بعد مجازر وقتل وتدمير ووجود أطفال تحت الركام.
حوكمنا بسبب تضامننا مع الإنسانية".
مخاطر مستقبلية على فلسطينيي الداخلوذكر المحامي حسن جبارين، مدير مركز" عدالة" الحقوقي، الذي رافق القضية، أن الشرطة الإسرائيلية اعتقلت 11 شاباً من التظاهرة السلمية في حينه، وفي نهاية المطاف، ركّزت على من قادا التظاهرة، محمد طاهر جبارين والمحامي أحمد خليفة.
وأضاف أنه" لم تُقدّم لائحة اتهام ضد التظاهرة نفسها وإنما ضد الشعارات (الهتافات) التي كانت فيها.
علمنا أنها شعارات وهتافات كانت متداولة قبل وبعد السابع من أكتوبر وأثبتنا ذلك أمام المحكمة.
مع هذا، قررت المحكمة إدانتهما، بسبب ترديد الهتافات بعد السابع من أكتوبر".
وتابع" نرفض هذه الإدانة، ولذلك سنستأنف ضدها، وإن كان قرار الحكم اليوم، يعتبر مخففاً مقارنة بالأحكام التي صدرت منذ أكتوبر، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا منشورات (على مواقع التواصل الاجتماعي)".
وأوضح جبارين: " يبدو أن المحكمة قررت تخفيف الحكم أيضاً لأسباب تتعلق بالتظاهرة نفسها، إذ قدمت لائحة اتهام ضد الناشطين أحمد ومحمد فقط، كما اعتبرت أنه لم تقدّم من قبل لوائح اتهام بسبب شعارات من هذا النوع".
ورغم ذلك رأى جبارين أن هناك خطورة في" أن نجد أنفسنا (الفلسطينيون في الداخل) نُدان في المحاكم، بسب تظاهرات وشعارات سلمية حتى لو كان العقاب هو صفر، ما يؤثر في النشاط السياسي مستقبلاً.
وعليه سنقدّم استئنافاً ضد الإدانة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك