دمشق ـ «القدس العربي»: بعد سلسلة هجمات تبناها خلال الأيام الماضية، عاد تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى واجهة المشهد الأمني في سوريا بإعلانه مسؤوليته عن مقتل جنديين من الجيش السوري قرب مدينة منبج شمال شرقي حلب، وسط تقديرات تشير إلى أنه يركز في المرحلة الحالية على إعادة بناء شبكاته التنظيمية وتنفيذ عمليات محدودة تهدف إلى إثبات حضوره الميداني من دون الانخراط في مواجهة واسعة مع السلطات.
وأعلن تنظيم «الدولة» السبت، مسؤوليته عن استهداف جنديين من الجيش السوري في قرية صلحة قرب مدينة منبج شمال شرقي حلب باستخدام الأسلحة الرشاشة، ما أدى إلى مقتلهما.
وقال في بيان نشره عبر معرفات تابعة له، إن «جنود الخلافة استهدفوا عنصرين من الجيش السوري المرتد في قرية صلحة قرب منبج»، حسب تعبيره.
ويأتي هجوم منبج في سياق سلسلة عمليات تبناها التنظيم خلال الأيام الماضية، إذ كان آخرها إعلانه، في 17 حزيران الجاري، مسؤوليته عن استهداف رئيس قسم القصر العدلي في بلدة ببيلا جنوب دمشق بعبوة لاصقة.
وقال التنظيم في بيان نشره آنذاك إن عناصره فجّروا عبوة لاصقة بآلية رئيس قسم القصر العدلي في ببيلا، ما أدى إلى «بتر إحدى ساقيه»، حسب تعبيره.
وكان مصدر أمني أفاد، وفق ما نقلته مصادر رسمية، بأن سيارة رئيس قسم القصر العدلي في ببيلا، صلاح أحمد الصالح، تعرضت للاستهداف بعبوة ناسفة في حي دف الشوك في دمشق، ما أدى إلى إصابته.
وقبل ذلك بيوم، أعلن التنظيم أن اثنين من عناصره هاجما، يوم الإثنين، مقر قيادة الأمن الداخلي غرب مدينة الرقة، مؤكداً أن العملية أسفرت عن سقوط أربعة قتلى ومصابين اثنين على الأقل.
ووصف التنظيم العملية بأنها «هجوم جريء على مربع أمني شديد التحصين يضم مقار أمنية مركزية للنظام السوري المسيّر أمريكياً»، حسب تعبيره، مضيفاً أن المهاجمين وصلا إلى البوابة الرئيسية للمقر المحصن وتمكنا من دخوله والاشتباك مع عناصره من مسافة قريبة.
في المقابل، ذكرت وزارة الداخلية السورية أن عناصر أمنيين تصدوا لمهاجمين انتحاريين في مدينة الرقة، واشتبكوا معهما وتمكنوا من تحييد أحدهما، فيما أقدم الآخر على تفجير نفسه بواسطة سترة ناسفة بعد محاصرته.
وأسفر التفجير عن مقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة ثلاثة عناصر آخرين جرى نقلهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج.
وفي إطار عمليات ملاحقة التنظيم، أعلنت وزارة الداخلية السورية، في 8 حزيران الجاري، إلقاء القبض على 235 عنصرا من تنظيم «الدولة الإسلامية» خلال الأشهر الثلاثة الماضية، مؤكدة أن هذه الحصيلة تمثل نتائج جهود الاستخبارات العامة السورية في ملاحقة وتعقب خلايا التنظيم.
وفي قراءة لأبعاد تصاعد نشاط التنظيم في سوريا، يرى الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الجهادية حسن أبو هنية، في حديثه لـ «القدس العربي»، أن تنظيم «الدولة» شهد تطورا تدريجيا في خطابه الأيديولوجي والديني، وصولا إلى تكفير الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته وأنصاره، وبالتالي اعتبار جميع مؤسسات الدولة وأركانها «مرتدة».
ووفق قوله، التنظيم، ومن منطلقاته الفكرية والفقهية والأيديولوجية، ينظر إلى الدولة السورية بوصفها دولة «مرتدة»، ولا سيما بسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة وانضمامها إلى التحالف الدولي، الأمر الذي يجعله يعتبر استهدافها أمرا مشروعا من منظوره، مشيرا إلى أن التنظيم دأب على البحث عن مبررات فقهية وشرعية ودينية لتسويغ عمليات الاستهداف.
ويعتقد أبو هنية أن التنظيم تجاوز إلى حد كبير مرحلة البحث عن التبريرات، وبات يركز على استراتيجيته في الاستهداف، لافتا إلى أنه لا يزال يتبع سياسة «الاقتصاد في استخدام العنف».
خبير تحدث لـ «القدس العربي» عن بناء هياكل تنظيمية بصورة لا مركزيةوفي رأيه، يمتلك التنظيم القدرة على تنفيذ هجمات أكبر وأكثر تعقيدا، إلا أنه يأخذ في الحسبان موقف البيئة المحلية الحاضنة.
ويشير إلى أن حكومة الشرع لا تزال تتمتع بدرجة من الشرعية والقبول الشعبي، خصوصا أن قطاعات واسعة من السوريين تنظر إليها باعتبارها أنهت حقبة من الاستبداد والطائفية، ولذلك لا توجد حتى الآن حالة غضب شعبي واسعة تجاهها يمكن أن يستثمرها التنظيم.
ويضيف أن التنظيم يبدو حريصا على الحفاظ على وجوده وإعادة بناء هياكله التنظيمية داخل سوريا بصورة لا مركزية، في محاولة للانتشار في مختلف المناطق السورية واستثمار أي مظاهر للسخط الشعبي مستقبلا، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن إحصائيات العمليات التي يشنها التنظيم لا تعكس تصاعدا كبيرا أو لافتا في نشاطه، إذ لا يزال مقتصدا في تنفيذ هجماته، رغم أنه يتمتع بقدر من الراحة نتيجة تراجع نشاط قوات التحالف الدولي وانشغال المنطقة بتحولات كبرى، وفي مقدمتها الصراع الأمريكي – الإيراني.
ويرى أبو هنية أن غياب جهود مكثفة لمكافحة تنظيم «الدولة» وتراجع دور التحالف الدولي وفّرا للتنظيم هامشا من الراحة، استثمره في إعادة هيكلته الداخلية، وتعزيز عمليات الاستقطاب والتجنيد، والعمل على إنشاء مزيد من «الولايات الأمنية».
ويشير إلى أنه إذا ما قورنت المرحلة الحالية بما كان عليه الوضع قبل سقوط نظام الأسد، عندما كانت أطراف عديدة تحارب التنظيم في آن واحد، فإن التنظيم كان قادرا حينها على تنفيذ عمليات أكبر وأكثر كثافة.
أما اليوم، فإنه لا ينفذ عمليات واسعة النطاق، بل تتصاعد عملياته بشكل محدود، من خلال قتل جندي هنا أو تنفيذ تفجير هناك، بهدف إثبات أن خلاياه اللامركزية لا تزال تحتفظ بقدرتها التشغيلية.
ويؤكد أن التنظيم لا يملك حاليا قرارا مركزيا بالانتقال إلى مرحلة الهجمات المركبة والواسعة، رغم امتلاكه القدرة على ذلك.
وفي رأيه، فإن التنظيم يتدرج في تحركاته وينتظر حدوث اختلالات وأزمات أكبر، إذ يراهن على أن المنطقة، ولا سيما سوريا، لن تنعم بالاستقرار خلال المرحلة المقبلة.
كما يراهن على تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية، بما في ذلك مآلات الصراع بين إسرائيل وإيران ومستقبل المقاتلين الأجانب، ولذلك، فإنه لا يبدو مستعجلا، بل يفضل الانتظار ومراكمة الفرص.
ويعتبر أبو هنية أن الهجمات الحالية تعكس نشاط بعض الخلايا العسكرية والأمنية التي تعمل بصورة لا مركزية في مناطق مختلفة، ولا تمثل تحولا استراتيجيا نحو مواجهة شاملة أو تنفيذ عمليات كبيرة.
كما أن التنظيم يتجنب، في الوقت الراهن، التوسع في العمليات الانتحارية بمختلف أشكالها، لأن ذلك من شأنه أن يثير حالة غضب شعبية ضده، ولذلك فإنه يحرص على البقاء والحفاظ على فرص كسب الحاضنة الاجتماعية أو استثمار أي حالة استياء تدريجية قد تنشأ نتيجة غياب الإنجازات الحكومية، تبعا لأبو هنية.
ويبين أن التنظيم لا يملك حاليا قرارا مركزيا بخوض مواجهة شاملة، وأن عملياته ستبقى في إطار نشاط مفارز وخلايا منفردة تعمل بشكل لا مركزي للحفاظ على قدرتها التشغيلية وتنفيذ أهداف محددة، مثل قتل أفراد أو نصب كمائن محدودة، من دون العودة إلى نمط العمليات الكبرى التي عرفها التنظيم في مراحل سابقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك