في كل بلد في العالم، الغني والفقير ومتوسط الحال، وتحاول الطبقة الفقيرة الدخول إلى الطبقة المتوسطة، وكذلك تسعى الطبقة المتوسطة إلى أن تكون ضمن الطبقة الغنية، وتسعى الطبقة الغنية إلى أن تكون أكثر ثراء، وكل هذا السعي مشروع، طالما كانت الوسيلة التعليم والعمل ولا ثالث لهما، ويقول الله تعالى في سورة الأنعام «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ».
وفي سورة الزخرف قال تعالى: «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ».
مقدمة كان لا بد منها، لنعرف ونعترف أن الدرجات بين الناس موجودة في كل الكون وليست في مصر فقط، كما يريد البعض أن يسوقها، ويُحدث وقيعة، أو قل فتنة طبقية، بعد أن فشلوا على مدار عقود طويلة أن يُحدثوا هذه الفتنة بين جناحَي الوطن المسلمين والمسيحيين، ولعل ما حدث في حادثة مصرع هدير «بائعة الشاي» التي دهستها سيارة مسرعة وهي تقوم بعملها يُعتبر أكبر دليل على تعمُّد المغرضين إحداث الفتنة الطبقية.
والحكاية بدأت عندما قام «أحدهم» بنشر مقطع لطفلة لا تتعدى الخامسة عشرة من عمرها ومعها طفل آخر في نفس عمرها وهما يغادران السيارة التي دهست هدير، ومن هنا بدأت تعليقات «الفتنة»:البنت أبوها واصل وذو حيثية ويتقلد منصباً كبيراً وتركت ابنتها تقود سيارة وتدوس على الغلابة.
الولد أبوه رجل أعمال وغني، ومش هامه حاجة، وبدّل كرسي القيادة مع صديقته علشان يشيل القضية، وعارف إن أبوه هيطلعه منها زي الشعرة من العجينة.
هدير غلبانة وبتجري على أكل عيشها وبتساعد أهلها الفقراء وأمها المشلولة، وحقها حيروح هدر.
إحنا بقينا في غابة «القوي» بيدوس على الضعيف، والغني بيحتمي بفلوسه، ولا مكان للفقراء والغلابة.
وبدأت مطالبات بمساعدة أهل هدير الغلابة اللي هيموتوا من الجوع، بعد أن فقدوا مَن كانت تنفق عليهم ومصدر دخلهم الوحيد.
كل هذه التعليقات والآراء أغرقت السوشيال ميديا، ومواقع أخبار «تحت السلم»، مع المطالبة بحق هدير الذي -كما قالوا- سيضيع لأنها فقيرة ومَن دهسوها أغنياء و«مسنودين»، وتمت إثارة الرأي العام، كل ذلك قبل أن تبدأ التحقيقات والاستماع للشهود والمعاينة وتفريغ الكاميرات!إلى أن صدر قرار النيابة، بعد الحادث بساعات، بحبس البنت والولد وأبيه، على ذمه التحقيق وتوجيه تهم:= البنت لأنها كانت تقود السيارة بدون رخصة وتبين أن الولد كان يعلمها القيادة، وأنها تسببت في مصرع هدير وإصابة أخرى.
= الولد لأنه كان يقود السيارة بدون رخصة بعد أن حصل على مفاتيح السيارة من والده.
= الوالد لأنه سمح لابنه الطفل بقيادة السيارة، وأنه صاحب السيارة والمسؤول عنها.
وتم اتخاذ كل الإجراءات القانونية، دون النظر للأسماء أو الأعمار أو الجنس أو الصفة، فالعدالة في مصر معصوبة العينين، ولا تعرف غنياً ولا فقيراً ولا رجلاً ولا امرأة ولا مسؤولاً ولا عاطلاً، فالجميع أمام القانون سواء.
وتبين أن والدي البنت والولد أحدهما مهندس والآخر موظف.
بل زاد على المعلومات أن هدير ليست فقيرة وأن مشروع «عربة الشاي» بدأت فيه لأنها أرادت الاعتماد على نفسها.
وليس كما أشاع رواد السوشيال ميديا، ليحولوا حادثة سير إلى فتنة طائفية.
الشاهد أنه ليس كل ما يذاع أو يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي صحيح، وأن هناك أهدافاً يريدها مَن يروجون هذه الأكاذيب، وأن هناك كتائب منظمة تنتهز أي حدث يهتم به الرأي العام لاستخدامه، لدق إسفين في المجتمع، لإحداث فتنة ووقيعة بين شرائح المجتمع المختلفة، أو بين الحكومة والمواطنين، أو بين الأقباط والمسلمين، أو بين البرلمان والحكومة.
احذروا الفتن في هذه الأيام فنحن على مشارف الاحتفال بثورتنا المباركة (30 يونيو) التي أسقطنا فيها الإخوان المحتلين.
فهذا موسم يظهر فيه مؤججو الفتن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك