ماذا بعد صندوق النقد الدولي؟ هذا السؤال بات يشغل قطاعاً واسعاً من المهتمين بالشأن الاقتصادي المصري، إذ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل ينتهي موعد البرنامج الحالي، والذي حصلت الحكومة بموجبه على قرض بقيمة ثمانية مليارات دولار في العام 2024.
أسئلة المتعلقة بالعلاقة المحتملة بين الطرفين عقب انتهاء البرنامج الحالي، لا تقف عند السؤال التقليدي المطروح وهو، هل ستكون العلاقة في شكل برنامج جديد يتم بموجبه حصول مصر على تسهيلات وتمويلات بمليارات الدولارات على غرار البرامج الخمسة السابقة، أم الاتفاق على برنامج فني يتم من خلاله الاستفادة من أدوات وسياسات الصندوق في إعادة هيكلة الاقتصاد وتجميل مؤشرات الموازنة وتحسين الإيرادات العامة.
وفي هذه الحالة، ما مصير البرنامج التقشفي الذي تتبناه الحكومة منذ العام 2016، وتم من خلاله تعويم العملة المحلية، الجنيه، عدة مرات وخفض الدعم وزيادة أسعار السلع الغذائية ومشتقات الوقود والضرائب والرسوم وخدمات المياه والكهرباء والمواصلات؟وبغض النظر عن تلك الأسئلة وغيرها، فإننا أمام حقيقة تتعلق بخوض حكومة مصر معركة شرسة مع الديون الخارجية مع قفزاتها في آخر عقد لتتجاوز 163 مليار دولار، وحاجة الحكومة الملحة للحصول على قروض مستمرة لسداد أعباء الديون القائمة، وتغطية الفجوة التمويلية وعجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات وغيرها من الالتزامات.
وإذا كانت الحكومة قد أكدت عدة مرات في الفترة الأخيرة على أنها لن تحصل على قرض جديد من صندوق النقد، وأنها لن تدخل في برامج تمويلية جديدة، فإن الواقع يؤكد أشياء أخرى مغايرة، فالحكومة بحاجة إلى سيولة دولارية ضخمة في الفترة المقبلة، لتغطية عدة احتياجات منها أعباء الدين الخارجي والبالغة نحو 50 مليار دولار خلال العام الجاري.
ودفع أقساط الدين وفوائده التي تلتهم أكثر من 60% من الموازنة العامة للدولة، وحاجتها لسيولة بالدولار كذلك لتغطية تكلفة الزيادة في سعر واردات الوقود والغاز والتي تصل إلى 13.
5 مليار دولار بنهاية العام المالي المقبل 2026-2027، وسد العجز المتفاقم في الميزان التجاري، وهو الفارق بين الصادرات والواردات، والبالغ 34.
4 مليار دولار في عام 2025، وتوقعات بزيادة هذا العجز خلال العام الجاري حيث قارب 13 مليار دولار في الربع الأول من عام 2026.
وهناك حاجة ملحة لردم الفجوة التمويلية والتي قدرها وزير المالية أحمد كوجك بنحو تسعة مليارات دولار خلال العام المالي المقبل، كما أن احتمال زيادة سعر الفائدة على الدولار من قبل البنك الفيدرالي الأميركي بداية من أكتوبر/تشرين الأول المقبل يعقد مهمة الحكومة في الحصول على قروض خارجية رخيصة التكلفة، سواء عبر طرح سندات دولية أو مباشرة من المؤسسات المالية مباشرة.
وهناك اعتبارات أخرى يجب النظر إليها عند تقييم العلاقة المحتملة بين مصر والصندوق منها مثلاً ما يتعلق بالأموال الساخنة والودائع الخليجية المستحقة في 2027.
وأخذاً بالاعتبار تلك الضغوط التمويلية وغيرها، فإن مؤشرات عدة تشير إلى أن الحكومة المصرية قد تدخل في اتفاق جديد مع صندوق النقد يتيح لها الحصول على قرض ضخم، لكن جولة التفاوض حول التمويل هذه المرة، إن تمت، لن تكون بالحدة التي كانت عليها في الجولات السابقة التي جرت في الأعوام: 2016، 2020، 2022، 2024.
فالسوق السوداء للعملة اختفت تماماً، ولم تعد هناك مضاربات محمومة في سوق الصرف أو تسخين للدولار في مواجهة الجنيه المصري.
كما تخوض الحكومة الجولة المقبلة من المفاوضات مع صندوق النقد مدعومة بأسلحة عدة وأرقام إيجابية منها تجاوز حجم الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي 53 مليار دولار، وسداد مستحقات شركات النفط والغاز العالمية كاملة حيث تم سداد 6.
1 مليارات دولار.
وهناك استقرار في سعر الدولار ومرونة عالية في سوق الصرف حيث يخضع السعر للعرض والطلب، وهناك تحسن في إيرادات مصر الدولارية من أنشطة الصادرات وتحويلات العاملين في الخارج، وخطوات لتقليص حجم المؤسسة العسكرية في أنشطة الاقتصاد المختلفة.
ورغم تلك الأسلحة لا تزال فاتورة الطاقة تمثل ضغطاً على الحكومة، إلى جانب الضغوط الناتجة من التوترات الإقليمية وزيادة المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وحالة الترقب للمفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران والممتدة لنحو الشهرين، والتهديدات في البحر الأحمر وباب المندب ورأس الرجاء الصالح.
السؤال هنا: ما هو موقع المواطن المصري في ظل تلك الاعتبارات المعقدة والعلاقة المحتملة بين مصر وصندوق النقد، هل ستواصل الحكومة إرهاقه مادياً ومعيشياً كما تفعل منذ العام 2016، أم ينال جزءاً من ثمار ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي ويقطف ولو جزءاً من الثمار التي طال انتظارها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك