أعلنت الحكومة المصرية، اليوم الاثنين، استمرار تباطؤ النمو السكاني في البلاد مع انخفاض معدّلات الإنجاب والمواليد للعام الثاني على التوالي، في وقت استقرّت فيه معدّلات الوفيات.
ولفتت إلى أنّ ذلك يعكس نجاح برامج تنظيم الأسرة والسياسات السكانية التي تنفّذها مصر منذ سنوات، في حين يعيد خبراء الأمر إلى الضغوط الاقتصادية التي تدفع المواطنين إلى العزوف عن الزواج أو تأخيره وتحديد النسل.
وأُعلنت هذه المعطيات في خلال اجتماع للمجلس القومي للسكان في برئاسة رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الذي شدّد على أنّ القضية السكانية في مصر تمثّل أولوية متقدّمة على أجندة عمل حكومته، من خلال خطط تنفيذية يجري العمل عليها بالتعاون بين مختلف أجهزة الدولة لضبط المؤشرات السكانية والارتقاء بالخصائص الديموغرافية وزيادة الوعي المجتمعي بأثر النمو السكاني على جهود التنمية.
من جهته، تحدّث وزير الصحة والسكان المصري، خالد عبد الغفار، عن تحقيق ما وصفها بـ" مؤشرات إيجابية" في الملف السكاني، موضحاً أنّ معدل الإنجاب الكلي في مصر انخفض من 2.
54 طفل لكلّ امرأة في نهاية عام 2023 إلى 2.
34 طفل لكلّ امرأة بنهاية عام 2025، في تراجع بلغت نسبته نحو 8% في عامَين فقط.
أضاف أنّ معدّل المواليد انخفض من 19.
5 مولوداً لكلّ ألف من السكان في نهاية عام 2023 إلى 18.
1 مولوداً لكلّ ألف بنهاية عام 2025، الأمر الذي يعكس تباطؤاً ملحوظاً في الزيادة الطبيعية للسكان.
لكنّ الحكومة المصرية لم تعلن عن زيادة في نسب الوفيات، الأمر الذي يشير إلى أنّ تباطؤ النمو السكاني الحالي يرتبط أساساً بتراجع الخصوبة والمواليد، وليس بارتفاع الوفيات.
وقال عبد الغفار إنّ هذه النتائج جاءت في إطار خطة مصر العاجلة للاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية، التي أُطلقت في يناير/ كانون الثاني 2025 بوصفها مظلة تنفيذية متكاملة لتوحيد الجهود الرامية إلى ضبط النمو السكاني، مع استهداف الوصول إلى معدّل إنجاب 2.
1 طفل لكلّ امرأة بحلول نهاية عام 2027، وهو ما يُعرَف ديموغرافياً بمعدّل" الإحلال السكاني"، مع تساوي معدّل المواليد مع الوفيات.
وأوضح وزير الصحة أنّ الدولة حقّقت تقدّماً في معالجة المناطق الأعلى ضغطاً سكانياً، إذ تراجع عدد" المناطق الحمراء" الأكثر تأثّراً بمعدّلات الإنجاب المرتفعة من 74 منطقة إلى 20، متجاوزةً المستهدفات المقرّرة، فيما ارتفع عدد المحافظات الخالية من تلك المناطق من ثلاث محافظات إلى 13 محافظة تضمّ خمس محافظات حدودية وأربع محافظات في الوجه البحري وأربع محافظات في الوجه القبلي.
في سياق متصل، عرض رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر أكرم الجوهري نتائج" المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2025"، الذي جرى تنفيذه على عيّنة ضمّت نحو 42 ألفاً و633 أسرة ممثّلة لكلّ المحافظات المصرية، وبمراجعة فنية من خبراء البنك الدولي.
وأوضح أنّ نتائج المسح أظهرت انخفاض معدّل الإنجاب الكلي إلى 2.
34 طفل لكلّ امرأة في عام 2025 مقارنة بـ2.
85 طفل لكلّ امرأة في عام 2021، بنسبة تراجع بلغت 18.
2% في خلال أربع سنوات.
وأشار الجوهري إلى أنّ المسح يوفّر أكثر من 100 مؤشّر تتعلق بخصائص الأسرة المصرية والإنجاب وتنظيم الأسرة والرعاية الصحية وصحة الطفل وتمكين المرأة واتجاهات الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 عاماً و29.
تطور معدل الإنجاب الكلي في مصرأُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعيوتبيّن النتائج أنّ مصر تواصل انتقالها التدريجي من مرحلة النمو السكاني المرتفع، الذي طبع العقود الماضية، إلى مرحلة نمو أبطأ يقوم على انخفاض معدلات الإنجاب والمواليد.
ويرى خبراء ديموغرافيون أنّ استمرار هذا الاتجاه سوف يؤدّي في السنوات المقبلة إلى تغيّرات هيكلية في التركيبة العمرية للسكان، مع تباطؤ نمو الفئات الأصغر سنّاً واتّساع تدريجي في قاعدة كبار السنّ، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة على سوق العمل وأنظمة الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، ويجعل إدارة التحوّل الديموغرافي أحد أهم الملفات الاستراتيجية أمام الدولة المصرية في العقد المقبل.
وتعكس الأرقام تناقضات الحكومة في مواجهة تآكل القوة البشرية في مصر وتخلق أزمة صامتة تهدّد الاقتصاد والأمن القومي برمته.
فالمجتمع يتحوّل ديموغرافياً بطريقة متسارعة، بما يدفع إلى تغيير ملامح الدولة واقتصادها في خلال العقدَين المقبلين، فيما تدلّ المؤشرات الأخيرة على أنّ مصر تتحرّك بسرعة من اقتصاد قائم على وفرة القوة العاملة الشابة الرخيصة إلى مجتمع يتجّه تدريجياً نحو الشيخوخة وتباطؤ النمو السكاني، في وقت يعتمد الاقتصاد بصورة أساسية على تحويلات المصريين من أبناء الطبقتَين الوسطى والفقيرة، بوصفهما الشريان الأول للنقد الأجنبي، فيما الحكومة عاجزة عن جلب الاستثمارات أو الارتقاء بالتصنيع وتكنولوجيا الإنتاج الحديث.
وتشير بيانات جهاز الإحصاء الحكومي في العامَين الماضيَين إلى تباطؤ في معدلات المواليد في مقابل ارتفاع متوسط العمر، بما يعني اتّساع قاعدة كبار السنّ وارتفاع الأعباء المالية المتوقعة على الأسر والدولة في آنٍ واحد.
ومع بلوغ جيلَي الثمانينيات والتسعينيات سنّ التقاعد في السنوات المقبلة، سوف تجد الدولة المصرية نفسها أمام معادلة صعبة، إذ يكون عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل أقلّ، في مقابل تضخّم كتلة المتقاعدين ومحدودي القدرة على الإنتاج.
ومن شأن ذلك أن يُفقد مصر الفائض الديموغرافي الذي تميّزت به لعقود، وجعلت منه" ماكينة التحويلات" التي تدرّ عليها الدولارات، والذي تعتمد عليه في جذب المستثمرين الباحثين عن العمالة الرخيصة؛ تلك التي تضمّ عاملين في الخدمة الوطنية مجاناً في إطار مشروعات اقتصادية تدرّ أرباحاً بالمليارات على الجهات السيادية التابعة لها.
وفي الوقت الذي سوف تتراجع فيه قاعدة دافعي الضرائب والقادرين على تمويل صناديق الرعاية الصحية والمعاشات، لن تتمكّن الدولة من بناء اقتصاد إنتاجي عالي القيمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك