في رأيي، أخطأ كثير من المحللين والمتابعين عندما اعتبروا أن توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة ووقف الأعمال العسكرية يعنيان انتهاء أزمة النفط العالمية وعودة الأسواق فوراً إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
فالتاريخ يخبرنا أن الحروب قد تتوقف بقرار سياسي، لكن آثارها الاقتصادية واللوجستية تحتاج إلى وقت أطول بكثير حتى تتلاشى.
لا شك أن التهدئة تمثل تطوراً إيجابياً للأسواق العالمية، وقد أسهمت في تهدئة المخاوف واحتواء جزء كبيرا من القلق الذي سيطر على المستثمرين خلال الأسابيع الماضية، إلا أن ذلك لا يعني أن سوق النفط قد استعاد توازنه الكامل أو أن الإمدادات عادت إلى طبيعتها.
الجدير بالذكر، أنه خلال فترة التصعيد، واجهت الأسواق واحدة من أخطر التحديات المرتبطة بأمن الطاقة العالمي، كون مضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله نحو 20 مليون برميلاً من النفط يومياً، يمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية للطاقة.
لذلك أي اضطراب في هذا الممر البحري ينعكس مباشرة على الأسعار وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل والتأمين.
صحيح أن حركة الملاحة بدأت تستعيد نشاطها تدريجياً، إلا أن عودة السفن إلى الإبحار لا تعني بالضرورة عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.
فشركات الشحن العالمية تحتاج إلى استعادة الثقة أولاً، وشركات التأمين تحتاج إلى إعادة تقييم المخاطر، كما أن العديد من العقود والبرامج التشغيلية تعرضت لإعادة جدولة خلال فترة الأزمة، وهو ما يخلق آثاراً تمتد لفترة أطول من عمر المواجهة العسكرية نفسها.
كما أن جزءاً مهماً من ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمات لا يرتبط بالنقص الفعلي في الإمدادات، بل بما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية.
وهذه العلاوة لا تختفي بمجرد الإعلان عن وقف إطلاق النار أو توقيع تفاهمات سياسية، بل تستمر طالما بقيت احتمالات عودة التوتر قائمة في أذهان المستثمرين والمتعاملين في الأسواق.
ومن الجوانب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي أن العالم استهلك خلال الأزمة جزءاً من مخزوناته التجارية والاستراتيجية لتخفيف آثار الاضطرابات.
وعادة ما تحتاج هذه المخزونات إلى أشهر حتى تعود إلى مستوياتها المستهدفة، الأمر الذي يبقي الطلب على الإمدادات مرتفعاً حتى بعد انتهاء الأحداث العسكرية.
الجدير بالذكر أن تعافي أسواق النفط لا يقاس فقط بانخفاض الأسعار أو استقرارها، بل يقاس بمجموعة واسعة من المؤشرات تشمل استقرار سلاسل الإمداد، وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين، وعودة معدلات التخزين الطبيعية، واستعادة الثقة بين المنتجين والمستهلكين والمستثمرين على حد سواء.
لقد شهد العالم خلال العقود الماضية العديد من الأزمات الجيوسياسية التي انتهت سياسياً قبل أن تنتهي اقتصادياً.
وفي كل مرة كانت الأسواق تحتاج إلى فترة انتقالية تستوعب خلالها آثار الصدمة وتعيد ترتيب أولوياتها واستثماراتها ومسارات تدفق الطاقة.
أرى أن أهم ما يجب إدراكه اليوم هو أن أسواق النفط تجاوزت بالفعل أخطر مراحل الأزمة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة التعافي الكامل.
فالتعافي الحقيقي يبدأ عندما تختفي مخاوف الإمدادات، وتعود حركة التجارة إلى مستوياتها الطبيعية، وتنخفض علاوات المخاطر، وتستعيد الأسواق ثقتها باستقرار المنطقة على المدى الطويل.
ولهذا فإن التفاؤل مطلوب، لكنه يجب أن يكون واقعياً.
فوقوف الحرب يمثل خطوة مهمة على طريق الاستقرار، لكنه لا يمثل نهاية الطريق.
أما أسواق النفط، فرغم تجاوزها مرحلة الخطر الأكبر، فإن رحلة التعافي الحقيقية لم تبدأ بعد!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك