يواجه القطاع الزراعي في غزة تحديات وجودية غير مسبوقة، إذ لم يتوقف أثر الحرب عند التجريف الممنهج للأراضي، وتدمير البنية التحتية الزراعية، بل امتد ليشمل مخاطر بيئية جسيمة تهدد سلامة التربة والموارد المائية.
وتُشير الدراسات الحديثة إلى وجود تلوث واسع النطاق يفرض تهديدات حقيقية على المحاصيل، مع تصاعد التحذيرات من احتمالية انتقال ملوثات خطرة إلى السلسلة الغذائية، مما يضع الأمن الغذائي والصحة العامة أمام أزمة مركبة تتجاوز مجرد الحاجة إلى إعادة تأهيل الأراضي.
وأظهرت دراسة أجراها باحثون من الجامعة العبرية ومعهد فولكاني الإسرائيلي وجود مواد كيميائية خطرة من نوع PFAS في محاصيل البطاطس المزروعة قرب حدود قطاع غزة، كما رصدت تلوثاً بهذه المواد في التربة وآبار المياه على مسافة تصل إلى 19 كيلومتراً من القطاع، ما يشير إلى انتقالها عبر الرياح، بعد انبعاثها من المتفجرات المستخدمة خلال الحرب.
وتعرف مواد PFAS باسم" المواد الكيميائية الأبدية" نظراً لصعوبة تحللها وبقائها لفترات طويلة في البيئة، فيما ربطتها العديد من الدراسات العلمية بأضرار صحية خطيرة تشمل بعض أنواع السرطان، واضطرابات الجهاز المناعي، ومشكلات الجهاز التناسلي، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الأراضي الزراعية في غزة، وإمكانية استعادة دورها الإنتاجي.
احتلال المزارع إزاء هذه التحديات، يعيش المزارعون في القطاع حالة من القلق المتزايد على مصير أراضيهم الزراعية التي تعرّضت للتجريف والقصف المكثف خلال الحرب، وسط مخاوف من أن تكون التغيّرات التي طرأت على التربة أعمق من مجرد الدمار الظاهر، وتمتد إلى تلوث طويل الأمد، قد ينعكس على الإنتاج الزراعي لسنوات مقبلة.
ويقول المزارع خالد أبو عمرة، الذي يمتلك 13 دونماً من الأراضي الزراعية شرق مدينة دير البلح، وسط القطاع، إن الجيش الإسرائيلي ما زال يسيطر على أرضه الزراعية الواقعة في المناطق الشرقية، ما يمنعه من الوصول إليها، أو تقييم حجم الأضرار التي لحقت بها منذ اندلاع الحرب.
ويضيف أبو عمرة لـ" العربي الجديد": " المزارعون يتطلعون إلى انسحاب إسرائيلي كامل من المناطق الزراعية الحدودية حتى يتمكنوا من استعادة نشاطهم الزراعي، والعودة إلى أراضيهم التي كانت تشكّل مصدر رزق رئيسياً لعائلاتهم".
ويعبّر عن مخاوفه من صعوبات استصلاح الأراضي التي تعرّضت لعمليات تجريف واسعة وقصف كثيف، لافتاً إلى أن هاجس تلوث التربة وتغير خصائصها بات يشغل بال المزارعين بشكل كبير.
ويقول: " نتخوف من حدوث تغيرات في التربة تؤدي إلى فشل الزراعة مستقبلاً، وهذا القلق لا يقتصر عليّ وحدي، وإنما يشاركني فيه معظم المزارعين الذين فقدوا أراضيهم أو تعذر عليهم الوصول إليها".
تلوث المياه أيضاً وتتوافق هذه المخاوف مع تقديرات دولية بشأن حجم الدمار الذي أصاب القطاع الزراعي، ففي تقرير سابق، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن أقل من 5% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة ما زالت صالحة للزراعة، ويمكن الوصول إليها، وذلك بعد تحليل مشترك أجرته مع مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية" يونوسات" في عام 2025.
قبل الحرب، بلغت المساحات المزروعة في قطاع غزة نحو 117 ألف دونم، وكانت الخضراوات تمثل 77% من الإنتاج النباتي، و42% من القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي، مع زراعة قرابة 40 صنفاً من الخضراوات.
إلا أن الحرب قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب.
ووفقاً للتقرير، فإن 80% من الأراضي الزراعية في القطاع باتت متضررة بعد الحرب، ولم يعد بالإمكان الوصول إلى 77.
8% منها، ما يعني أن ما تبقى من الأراضي الصالحة لا يتجاوز 688 هكتاراً فقط.
هذا الدمار انعكس بشكل مباشر على تراجع الإنتاج من 405 آلاف طن إلى أقل من 49 ألف طن.
من جانبه، يؤكد خبير الزراعة والتربة، المهندس نزار الوحيدي، أن المؤشرات العلمية والبيئية المتوفرة تؤكد وجود تلوث واسع في التربة نتيجة مخلفات الحرب.
يقول الوحيدي لـ" العربي الجديد": " لا شك أن التربة في قطاع غزة تعرّضت لتلوث بمواد كيميائية، وربما إشعاعية، بعد أكثر من عامين من حرب الإبادة، وهناك مواد قد تبقى آثارها في البيئة لسنوات طويلة، ما يجعل مخاطرها مستمرة على التربة والمياه والصحة العامة".
ويوضح أن القصف المكثّف والانفجارات العنيفة أدت إلى انتشار ملوثات كيميائية واسعة النطاق استقرت في التربة، ثم انتقلت تدريجياً إلى المياه الجوفية، لتتحول إلى مصدر تلوث طويل الأمد يصعب التخلص منه، مشيراً إلى أن هذه الملوثات لا تبقى محصورة في التربة، ويمكن أن تنتقل إلى النباتات والمحاصيل الزراعية المختلفة.
ويحذر من أن دخول هذه المواد إلى السلسلة الغذائية عبر امتصاص النباتات لها قد يؤدي إلى تعرض الإنسان لمخاطر صحية متراكمة، تشمل أمراض الكبد والكلى والرئتين والجهاز العصبي، إضافة إلى أمراض جلدية واضطرابات في الجهاز الهضمي وأمراض الدم.
آثار اقتصادية خطيرة يرى المختص الاقتصادي، عماد لبد، أن تداعيات الحرب على القطاع الزراعي لا تقتصر على الخسائر البيئية فقط، بل تمتد إلى آثار اقتصادية خطيرة تهدد الأمن الغذائي ومستقبل التنمية الزراعية.
ويقول لبد لـ" العربي الجديد" إن الحرب دمرت قرابة 85% من الأراضي الزراعية التي كانت تشكل قبل الحرب نحو 42% من إجمالي الإنتاج الزراعي في قطاع غزة، مقدراً تكلفة إعادة التأهيل والتعافي بما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار.
ويضيف: " هذه الأراضي كانت تساهم في تصدير نحو 60 ألف طن من المنتجات الزراعية سنوياً بقيمة سوقية تعدت الـ66 مليون دولار، ما يعكس حجم الخسارة الاقتصادية الناتجة عن تدميرها وتعطلها"، مؤكداً أن انهيار الإنتاج الزراعي أدى إلى تراجع مصادر الدخل لآلاف الأسر العاملة في هذا القطاع الحيوي.
ويشدد لبد على أن القطاع الزراعي يواجه تحديات مركبة، تشمل تضرر التربة بسبب سياسة الأرض المحروقة، إضافة إلى الحصار، ونقص مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل الآبار، وندرة المياه، وارتفاع أسعار المبيدات والأسمدة، وشبكات الري.
وبذلك، تبدو مهمة إنقاذ الزراعة في غزة أكثر تعقيداً من مجرد إعادة زراعة الأراضي المتضررة، إذ تتطلب أولاً فهماً دقيقاً لحجم التلوث وآثاره المحتملة إلى جانب توفير إمكانات فنية ومالية ضخمة لإعادة تأهيل التربة والمياه والبنية التحتية الزراعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك