جنوب لبنان- وقف أبو سعد عند مدخل بلدة زوطر الغربية، متكئًا على عكازه الذي صار امتداداً لجسده المنهك، كأنه يقيس به المسافة بينه وبين ذاكرة لم تغادره يوماً.
رجلٌ أسمر البشرة، حفرت الشمس في ملامحه طبقات من التعب، وتسللت التجاعيد إلى وجهه كخريطة طويلة من حروب متعاقبة ونزوح لا ينتهي.
كان وجهه ساكناً لكن في عينيه ارتجاف انتظار طويل، كمن يعود إلى مكان يعرف أنه تغير لكنه لم يتغير داخله.
على الطريق المؤدية إلى بلدته، لم يكن هناك ما يشبه العودة التي تخيّلها، لا قوافل بشر، ولا ضجيج خطوات مطمئنة، بل فراغٌ ثقيل يلفّ المكان، وخطرٌ يعلو في السماء حيث لا تغيب المحلّقات الإسرائيلية عن المشهد، كظل معلق فوق الأرض والناس.
الطريق بدا موحشاً، مكشوفاً كأنه فخّ مفتوح على احتمالات لا تُطمئن.
جاء أبو سعد من صيدا وهو يظن أن لحظة العودة قد حانت، وأن الحرب ربما خفّت، وأن الطريق إلى البيت صار أقل قسوة، لكنه قبل أن يخطو خطوة واحدة باتجاه بلدته، انشقّ الهواء بصوت المسيّرة، حاداً ومفاجئاً، كأنه يقطع النية قبل الخطوة.
يقول أبو سعد بصوت متهدّج للجزيرة نت: " وصلتُ إلى مدخل زوطر من جهة ميفدون، وكانت الطريق خطرة جداً.
جاءت المسيّرة، حيّدتنا عن الطريق، ثم رمت قنبلة صوتية".
ثم يصمت لحظة، كأنه يعيد ترتيب ما تبقّى من يقينه، قبل أن يضيف: " لم آتِ من صيدا إلى هنا كي أعود أدراجي، لقد تعبت من النزوح، ولا يرتاح الإنسان إلا في بيته".
ويتابع، ويده على عكازه كمن يتمسّك بآخر ما يربطه بالأرض: " من بلغ السبعين، ماذا ينتظر بعد؟ انتهى العمر.
لكن الأرض والبيت ما زالا يناديان".
كان أبو سعد قد سمع أخباراً عن انسحاب إسرائيلي، فقرّر العودة فوراً، كمن يلتقط فرصة نجاةٍ أخيرة.
لكنه وجد الطريق غير ما قيل له، والسماء غير مطمئنة، والبلدة التي ينتمي إليها ما زالت معلّقة بين الخطر والانتظار.
ومع ذلك لم يتراجع، فالرجل الذي أتعبته المنافي الصغيرة والكبيرة، لم يعد يرى في العودة مجازفة، بل ضرورة تشبه التنفّس لأنه لا يرتاح -كما يؤكد- إلا في بيته.
في أقصى جنوب لبنان، حيث تتقاطع التلال مع مجرى نهر الليطاني وتتشابك خرائط الجغرافيا مع خطوط الاشتباك، تبرز بلدة زوطر الشرقية كإحدى أكثر النقاط سخونة منذ بدء العدوان الإسرائيلي في 2 مارس/آذار الماضي.
بلدة صغيرة لا تتجاوز مساحتها خمسة كيلومترات مربعة، لكنها وجدت نفسها في قلب معركة تتجاوز حدودها الضيقة إلى ما هو أوسع في المشهد الميداني جنوب لبنان.
منذ الأشهر الأولى للتصعيد، تعرّضت زوطر الشرقية لأكثر من 90 غارة جوية، ما جعلها واحدة من أكثر البلدات استهدافاً.
وعلى الرغم من صغر مساحتها، فإن موقعها الجغرافي منحها ثقلاً عسكرياً مضاعفاً، إذ تطل على خط القرى المحاذية لنهر الليطاني وتمتد في محيط قلعة الشقيف، وهي منطقة لطالما شكلت عقدة إستراتيجية في تاريخ المواجهات جنوب البلاد.
وقال العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال، للجزيرة نت، إن أهمية الأرض في الحروب الحديثة لا تُقاس بمساحتها بل بما تمنحه من قدرة على الرؤية والسيطرة والمناورة والتأثير العملياتي.
وأوضح أن منطقة زوطر الشرقية، وما يتصل بها من زوطر الغربية ويحمر الشقيف وأرنون وقلعة الشقيف وجبل علي الطاهر، لا يمكن قراءتها كقرى أو تلال منفصلة، بل كحزام تضاريسي مترابط يشكل منظومة سيطرة ميدانية متكاملة.
وأضاف أن الخطأ الشائع يتمثل في النظر إلى هذه المواقع كنقاط مستقلة، بينما يتعامل الفكر العسكري معها باعتبارها شبكة جغرافية تتحكم بمحاور الحركة والتموضع والربط بين القطاعات.
وتستمد زوطر الشرقية أهميتها الجيو-إستراتيجية -حسب حلال- من موقعها الذي يربط المرتفعات الجنوبية بأحواض نهر الليطاني وشبكة الطرق الداخلية، ما يجعلها عقدة انتقال بين المناطق المرتفعة والمفتوحة.
ولفت إلى أن قرب المنطقة من حوض الليطاني يمنحها أهمية إضافية، ليس لأن النهر يشكل حاجزًا مطلقًا، بل لأنه يفرض قنوات حركة ونقاط عبور محدودة نسبيًا، بما ينعكس على توزيع القوة وخيارات الانتشار والمناورة.
وعن البعد الميداني، أوضح العميد الركن أن المنطقة تندرج ضمن مفهوم" الأرض الحاكمة" أي المواقع القادرة على مراقبة محاور الحركة، والتأثير في التموضع، وتوفير عمق دفاعي، وتعزيز الإنذار المبكر، وتقليص هامش المناورة لدى الخصم.
وأضاف أن الترابط بين زوطر الشرقية وزوطر الغربية ويحمر الشقيف وأرنون وقلعة الشقيف وجبل علي الطاهر يجعل المنطقة أقرب إلى قوس تضاريسي متداخل يتحكم بإيقاع الحركة في القطاع، لا إلى نقاط جغرافية منفصلة.
وشدد حلال على أن السيطرة على" الأرض الحاكمة" لا تعني بالضرورة حسم الحرب، موضحًا أن الجيوش الحديثة لا تسعى دائمًا إلى احتلال كل الأرض، بل إلى تفكيك الترابط الجغرافي للخصم، وفتح ممرات مناورة، وتعطيل مناطق السيطرة، وتقليص فعالية الدفاعات.
وربط أهمية منطقة الزواطر بعدد من النظريات العسكرية، أبرزها نظرية الأرض الحاكمة، والدفاع في العمق، ونظرية الممرات والاختناقات، ومفهوم" مركز الثقل" لدى الجنرال والباحث العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، إضافة إلى نظرية المناورة مقابل الاستنزاف.
ورغم الحديث عن تراجع نسبي في عدد الآليات الإسرائيلية المنتشرة، إلا أن الانسحاب لا يزال غير مكتمل، مع استمرار تمركز القوات عند أطراف هذه البلدات، بما يبقي خطوط التماس في حالة توتر دائم وغير محسوم.
ورصدت الجزيرة نت -من خلال مشاهد خاصة- منازل تحولت إلى ركام، وأخرى تضررت بشكل بالغ، فيما تقف البساتين شاهدة على موجات القصف المتكررة.
وداخل البلدة، طرقات حفرتها الغارات، ومبانٍ فقدت ملامحها، ومساحات سكنية تحولت إلى فراغات مفتوحة على الصمت.
وقد أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالتنسيق مع المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، نتائج التقييم السريع للأضرار على مستوى المباني في جنوب لبنان، والذي يشمل المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، بما فيها أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا، وذلك استكمالاً لتقييم سابق شمل بيروت وجبل لبنان.
يُقدَّر إجمالي الأضرار المباشرة في المباني بنحو 1.
38 مليار دولار.
يُقدَّر حجم الركام الناتج بنحو 3.
1 مليون متر مكعب.
سُجّل تدمير كامل لـ11 ألفاً و95 مبنى، ما انعكس على 17 ألف وحدة سكنية.
تضرر 2242 مبنى بشكل جزئي (5219 وحدة سكنية).
لحقت أضرار طفيفة بـ9311 مبنى (18 ألفاً و282 وحدة سكنية).
وتُظهر البيانات أن القرى والبلدات الأكثر تضرراً من حيث عدد المباني المدمرة كلياً تتركز في:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك