في صباح 5 يوليو/تموز 2024، دخل كير ستارمر مقر رئاسة الوزراء في «داونينغ ستريت» للمرة الأولى بصفته رئيسًا للوزراء، بعدما حقق حزب العمال، في اليوم السابق، أغلبية ساحقة بلغت 174 مقعدًا في الانتخابات العامة.
وبعد أقل من عامين، وجد ستارمر نفسه واقفًا أمام مقر رئاسة الوزراء معلنًا استقالته.
فكيف وصلت الأمور إلى هذه النهاية؟يظل سقوط كير ستارمر أحد أكثر التحولات السياسية إثارة للحيرة في التاريخ البريطاني الحديث؛ إذ تمكن من الفوز بأغلبية ساحقة، قبل أن يُجبر على مغادرة منصبه خلال أقل من عامين، من دون أن يكون قد خاض حربًا غير قانونية، أو تسبب في أزمة اقتصادية كبرى، أو تورط في فضيحة فساد واضحة، حسبما جاء في تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية.
ورغم ذلك، انتهى به المطاف خارج السلطة، في لحظة تعكس — وفق هذا التحليل — مزيجًا من إخفاقات شخصية وضغوط سياسية بنيوية جعلت بقاءه في المنصب شبه مستحيل.
واجهت الحكومة البريطانية مشكلات منذ أيامها الأولى عندما قررت خفض إعانات التدفئة الشتوية لجميع المتقاعدين، باستثناء الأكثر فقرًا.
وأظهر القرار، بحسب منتقديه، ضعفًا في فهم التداعيات السياسية، ما أثار استياءً واسعًا بين الناخبين.
وكان يُنظر إلى هذا القرار باعتباره أحد أكثر السياسات التي أضرت بشعبية الحكومة في بدايتها، في ظل اتهامات بسوء تقدير الأثرين الاجتماعي والسياسي.
وبعد ذلك بفترة قصيرة، حاولت الحكومة تقليص فاتورة الرعاية الاجتماعية المتضخمة، وفي الملفين معًا اضطرت إلى التراجع عن قراراتها بصورة محرجة، الأمر الذي أصبح السمة الأبرز لحكمها.
وزادت الأمور تعقيدًا عندما عُيّن بيتر ماندلسون سفيرًا لدى واشنطن، وهو قرار تحوّل إلى أزمة سياسية بعد الكشف عن معلومات جديدة مرتبطة بملفات جيفري إبستين.
وبدلًا من تعزيز صورة ستارمر كرجل نزاهة واستقامة، بدا في نظر كثيرين عاجزًا عن إدارة الأزمات.
وبالنسبة للناخبين، بقيت أزمة تكاليف المعيشة القضية الأهم، رغم محاولات الحكومة معالجة الفقر بين العاملين من خلال رفع الحد الأدنى للأجور وتعزيز حقوق العمال.
لكن كثيرًا من المواطنين شعروا بأن حياتهم لم تتغير فعليًا، وأن البلاد ما زالت تعيش في ظل ظروف تقشفية.
ويرى كثيرون أن فشل ستارمر كان حتميًا لأنه لم يكن سياسيًا حقيقيًا ولا يملك الحسّ السياسي.
لكن هذا الطرح يبدو سطحيًا؛ إذ لا يصل أي شخص إلى قيادة حزب كبير ثم يفوز بأغلبية 174 مقعدًا في البرلمان بالصدفة، بحسب الصحيفة.
على الرغم من ذلك، جاء انتصار حكومته أساسًا نتيجة التراجع الحاد في شعبية المحافظين بعد أزمات حكومتي بوريس جونسون وليز تراس.
كما تحقق الفوز بنسبة تصويت بلغت 33.
7% فقط في انتخابات شهدت واحدة من أدنى نسب المشاركة في التاريخ الحديث.
ووصفه كاتب سيرته، المعجب به، توم بالدوين، بأنه «غير سياسي»، وعلى الرغم من أن ذلك كان يُقصد به الإشادة جزئيًا، فإنه يعكس أيضًا نقصًا في مهارات السياسيين الكبار، وهي نقاط كلّفته الكثير.
ورغم الأغلبية البرلمانية الضخمة التي امتلكتها حكومته، فإنها لم تحظَ بشعبية واسعة منذ البداية، إذ تراجعت أرقام شعبيته بصورة حادة وسط شكاوى من أن وعده بإحداث «التغيير» عام 2024 لم يتحقق على أرض الواقع.
كما أن أبرز نقاط الضعف كانت قدرته على التواصل؛ فبحسب «الغارديان»، لم يكن الأمر مجرد غياب للكاريزما، بل عجزًا عن بناء خطاب واضح ومقنع.
خسر حزب العمال السلطة في البرلمان الويلزي «سينيد» للمرة الأولى لصالح حزب «بلايد كامري»، وتراجع إلى المركز الثالث، بينما فقدت زعيمته في ويلز، إيلونيد مورغان، مقعدها.
وشكّل احتمال وصول حزب «ريفورم يو كيه» إلى السلطة التهديد الأكبر الذي أثار قلق نواب حزب العمال، ودفعهم إلى سحب دعمهم من ستارمر.
كما أوحى فوز آندي برنهام في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد، التي كان الحزب الإصلاحي قد حقق فيها نتائج قوية سابقًا، بأنه قادر على استعادة الناخبين الذين غادروا الحزب.
وتعاني حكومات حزب العمال أيضًا من تأثير المشهد الإعلامي البريطاني، الذي تميل غالبيته إلى اليمين، وغالبًا ما يغذي مشاعر السخط والاغتراب ويركز على قضايا الهجرة والنخب السياسية «البعيدة عن الناس».
وبدا أن ستارمر كان يريد من الجمهور النظر إلى القضايا المعقدة بصورة متوازنة للوصول إلى حلول مدروسة، لكن هذا النهج لم ينسجم مع عصر يتزايد فيه الطلب على نتائج سريعة ومباشرة.
بدا أن الحكومة الجديدة تفتقر إلى بوصلة واضحة؛ لأنها لم تنجح في تقديم رؤية مقنعة لمستقبل البلاد.
وكان ستارمر قد صرّح سابقًا قائلًا: «لا يوجد شيء اسمه الستارمرية، ولن يوجد أبدًا».
واتسم نهجه بالجدية والإدارة التقنية، لكنه أظهر اهتمامًا محدودًا بالأفكار الكبرى أو المبادئ الأيديولوجية.
ونتيجة لذلك، بدا بعيدًا عن المزاج الشعبي عندما واجه الحركات الشعبوية على اليمين، ممثلة بحزب «ريفورم يو كيه» بقيادة نايجل فاراج، وعلى اليسار ممثلة بحزب الخضر بقيادة زاك بولانسكي، إذ نجح الطرفان في بناء روابط عاطفية قوية مع الناخبين.
وقدّم ستارمر نموذجًا لحكومة وسطية في وقت كانت فيه الطاقة السياسية تتجه بعيدًا عن الوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك