لندن ـ “القدس العربي”: عادت خلال الأيام الأخيرة عدة ملفات قضائية تخص نشطاء وفاعلين في المجتمع المدني إلى واجهة الاهتمام الحقوقي، بعد إصدار أحكام وقرارات قضائية، في قضايا تتعلق بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو نشاطات ذات طابع سياسي وحقوقي.
ومن أبرز القضايا التي استقطبت الاهتمام خلال الأسبوع الجاري، قرار غرفة الاتهام لدى مجلس قضاء البيض إحالة ملف الصحافي والناشط الحقوقي حسن بوراس على محكمة الجنايات الابتدائية، في انتظار تحديد موعد المحاكمة.
وكان بوراس قد أودع الحبس المؤقت في أبريل/نيسان الماضي بعد فتح تحقيق قضائي بشأن أربع تهم، بينها جنايتان وجنحتان، عقب توقيفه بمدينة البيض وتفتيش مسكنه وحجز بعض معداته الإلكترونية.
ويعد حسن بوراس من الأسماء المعروفة في مجال العمل الصحافي والحقوقي، حيث ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بمتابعة قضايا محلية تتعلق بالشأن العام والفساد والحقوق المدنية.
كما سبق أن واجه متابعات قضائية في مناسبات سابقة، الأمر الذي جعل قضيته الحالية محل متابعة من قبل مهتمين بالشأن الحقوقي والإعلامي.
وفي قضية أخرى، أصدرت محكمة الجنايات الابتدائية بمجلس قضاء أدرار حكماً يقضي بسجن الناشط في الحراك سابقا أحمد سيدي موسى بثلاث سنوات نافذة، بعد متابعته بتهمة الإشادة بالأفعال الإرهابية استناداً إلى المادة 87 مكرر من قانون العقوبات.
وكان المعني قد أودع الحبس المؤقت منذ نهاية شهر يناير الماضي، قبل أن يمثل أمام المحكمة للفصل في القضية.
وتعد المادة 87 مكرر من أكثر المواد القانونية إثارة للنقاش في السنوات الأخيرة، إذ تعتبرها السلطات جزءاً من المنظومة التشريعية الخاصة بمكافحة الإرهاب وحماية الأمن العام، بينما ترى منظمات حقوقية ومحامون أن صياغتها الواسعة تفتح المجال لتفسيرات مختلفة عند تطبيقها في بعض القضايا المرتبطة بالنشاط السياسي أو التعبير عن الرأي.
وفي المقابل، شهدت الأيام الأخيرة صدور قرار قضائي مغاير في قضية الناشطة الحراكية فاطمة بودودة، بعدما قضت محكمة الجنايات الاستئنافية بمجلس قضاء الجزائر بالبراءة من جميع التهم التي كانت تلاحقها.
وجاء الحكم بعد استئناف قرار ابتدائي صدر مطلع العام الجاري وقضى بمعاقبتها بخمس سنوات سجناً نافذاً.
وكانت بودودة قد خضعت للمتابعة القضائية بموجب عدة تهم بسبب ناشطها في الحراك من بينها تهم مؤسسة على المادة 87 مكرر، قبل أن تنتهي إجراءات الاستئناف بصدور حكم البراءة.
وفي ولاية بجاية، أصدرت محكمة الجنح حكماً يقضي بتسليط غرامة مالية قدرها 100 ألف دينار على الأستاذة الجامعية والناشطة حكيمة صبايحي، مع إلزامها بدفع تعويض للخزينة العمومية بالقيمة نفسها.
وجاءت المتابعة على خلفية منشورات عبر موقع “فيسبوك”، حيث وجهت إليها تهم تتعلق بالتحريض على التجمهر غير المسلح وإهانة هيئة نظامية.
وتندرج هذه القضية ضمن سلسلة ملفات عرفت متابعات لأشخاص بسبب محتويات منشورة على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي الملفات التي أصبحت تشكل جزءاً مهماً من القضايا المعروضة على العدالة خلال السنوات الأخيرة، في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وتحولها إلى فضاء للتعبير عن الآراء والمواقف السياسية والاجتماعية.
وعادة ما تؤكد السلطات الجزائرية أن المتابعات القضائية تتم في إطار تطبيق القانون وبناء على أفعال محددة ينص عليها التشريع الوطني، رافضة الربط الآلي بين هذه القضايا وحرية التعبير.
كما ترفض السلطات استخدام مصطلح “سجناء الرأي”، وتعتبر أن الأشخاص المعنيين متابعون أو محكوم عليهم في قضايا يعالجها القضاء وفق القوانين المعمول بها.
في المقابل، ترى منظمات حقوقية ومحامون وبعض الفاعلين السياسيين أن عدداً من هذه القضايا يرتبط بممارسة حرية التعبير أو النشاط المدني والسياسي السلمي، ويدعون إلى توسيع هامش الحريات العامة ومراجعة بعض النصوص القانونية التي يعتقدون أنها تسمح بتفسيرات واسعة عند التطبيق.
ويعود الجدل حول هذه الملفات إلى فترة الحراك الشعبي الذي انطلق سنة 2019، حيث عرفت الساحة السياسية والقضائية عدداً كبيراً من القضايا المتعلقة بالنشاط السياسي والتعبير عن الرأي.
ومنذ ذلك الحين، ظل ملف الحريات العامة محل نقاش متواصل بين السلطات وقطاعات من المعارضة والمنظمات الحقوقية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 2 تموز/يوليو المقبل، عاد هذا الملف ليحضر في بعض الخطابات السياسية للأحزاب المعارضة.
ومن بين المواقف التي برزت في هذا السياق، الدعوة التي وجهها حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية قبل انطلاق الحملة الانتخابية، عندما طالب رئيس الجمهورية باتخاذ إجراءات للإفراج لـ”سجناء الرأي”، إلى جانب الدعوة إلى توسيع الحريات العامة وفتح المجالين السياسي والإعلامي وتعزيز الحوار الوطني.
وشهدت السنوات الماضية صدور عدة مراسيم عفو رئاسي بمناسبات دينية ووطنية شملت فئات مختلفة من المحبوسين، بما في ذلك بعض الأشخاص المتابعين أو المحكوم عليهم في قضايا مرتبطة بمنشورات أو آراء، وهو ما تطلق عليه السلطات الجزائرية في العادة مصطلح “تدابير رأفة” تخص قضايا النظام العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك