في أعقاب التفاهم المؤقت الرامي إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت واشنطن اتخاذ خطوات لرفع بعض العقوبات المفروضة على طهران، في مسار يرتبط بصورة مباشرة بالتوترات الإقليمية التي كانت إسرائيل طرفًا رئيسيًا فيها، غير أن تخفيف القيود المحدود لا يعني نهاية منظومة العقوبات المعقدة التي تراكمت على مدى عقود، إذ إن إزالة القيود المفروضة على الأنشطة الاقتصادية والتجارية الإيرانية بموجب أي اتفاق أشمل تبدو مهمة أكثر تعقيدًا واستغراقًا للوقت.
ويرى مراقبون أن أي مسار شامل لرفع العقوبات عن إيران سيواجه تحديات قانونية وإجرائية واسعة، ما قد يؤخر عودة الاستثمارات الأجنبية لسنوات.
كما أن استمرار ارتباط جزء كبير من العقوبات بملفات أمنية ونووية وإقليمية، تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل، يجعل استعادة إيران اندماجها الكامل في الاقتصاد العالمي عملية طويلة ومعقدة.
وترتبط عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على إيران ببرنامجها النووي وما تعتبره المنظمة الدولية انتهاكًا لالتزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وأصدر مجلس الأمن الدولي قرارات بفرض عقوبات على إيران في أعوام 2006 و2007 و2008 و2010، وشملت حظرًا على الأسلحة ومنع توريد مواد وتقنيات مرتبطة بالأنشطة النووية، إلى جانب تجميد أصول عدد من الشركات والأفراد.
كما حظرت القرارات على إيران تنفيذ أي أنشطة تتعلق بتطوير أو إنتاج صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية.
ورغم أن العقوبات استهدفت أموالًا وأصولًا تابعة للحرس الثوري الإيراني وشركة الشحن الحكومية، فإنها لم تشمل حظر صادرات النفط الإيرانية.
وبعد التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة «الاتفاق النووي» عام 2015، وضع مجلس الأمن جدولًا زمنيًا لرفع العقوبات المفروضة على إيران.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018، ما دفع إيران إلى التراجع عن الالتزام ببعض بنوده، وأُعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة بموجب آلية «العودة التلقائية» خلال العام الماضي.
فرضت واشنطن أولى عقوباتها على إيران عام 1979 عقب اقتحام طلاب ثوريين السفارة الأميركية في طهران واحتجاز دبلوماسيين رهائن.
ومنذ ذلك الحين، توسعت العقوبات الأميركية لتشمل ملفات متعددة، من بينها دعم إيران لجماعات تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية، إضافة إلى برنامجها النووي.
ويُعد الحرس الثوري، أحد أكثر الكيانات نفوذًا داخل إيران وأكثرها حضورًا في الاقتصاد الإيراني، من أبرز العقبات أمام أي مسار لرفع العقوبات، إذ تصنفه واشنطن منظمة إرهابية.
وتدير وزارة الخزانة الأميركية منظومة العقوبات، إلا أن تعدد الأسس القانونية والآليات المنظمة لها يجعل إلغائها دفعة واحدة أمرًا بالغ الصعوبة.
وتستند العقوبات إلى قانونين يعودان إلى سبعينيات القرن الماضي يمنحان الرئيس صلاحيات استثنائية تُجدد سنويًا، فضلًا عن قوانين صدرت في عامي 1996 و2017 تستهدف إيران ودولًا أخرى بشكل مباشر.
ويستطيع الرئيس الأميركي إلغاء العقوبات التي فُرضت عبر أوامر تنفيذية، وتشمل تجميد أصول إيرانية بمليارات الدولارات، وحظرًا على الأسلحة، ومنعًا كاملًا للتجارة والاستثمار في إيران، إضافة إلى حظر شراء النفط الإيراني.
في المقابل، تبدو إزالة العقوبات التي أقرها الكونغرس أكثر تعقيدًا، إذ لا تتضمن إعفاءات أو استثناءات مرتبطة بسلوك إيران في ملفات حقوق الإنسان أو دعم الجماعات التي تصنفها واشنطن إرهابية.
كما تضم قوائم العقوبات عددًا كبيرًا من الشركات والأفراد والجهات الحكومية، ما يجعل إزالة جميع التصنيفات عملية قد تستغرق وقتًا طويلًا.
فرض الاتحاد الأوروبي عام 2012 حظرًا على صادرات النفط الإيرانية، وجمد أصول البنك المركزي الإيراني، كما أوقف تجارة المعادن النفيسة والمنتجات البتروكيماوية من طهران وإليها.
وامتدت الإجراءات الأوروبية لتشمل قيودًا على التجارة الخارجية والخدمات المالية وقطاعي الطاقة والتكنولوجيا.
وفي العام نفسه، فُصلت بعض البنوك الإيرانية عن نظام «سويفت» للمدفوعات الدولية بتوجيهات من الاتحاد الأوروبي، ما أدى إلى عزل أجزاء واسعة من النظام المالي الإيراني عن الأسواق العالمية.
ورغم رفع بعض العقوبات في إطار الاتفاق النووي لعام 2015، فإنها أُعيدت لاحقًا، مع إضافة إجراءات جديدة استهدفت أفرادًا وأجزاء محددة من برامج الصواريخ والطائرات المسيرة.
كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على الحرس الثوري الإيراني، وأقر هذا العام حزمة جديدة من العقوبات عقب إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز.
لا يضمن رفع العقوبات عودة سريعة للشركات الأجنبية إلى إيران، إذ إن تعقيد منظومة العقوبات الحالية يدفع كثيرًا من الشركات إلى الحذر من أي تبعات قانونية محتملة.
كما أن إدراج عدد كبير من الشركات والأفراد الإيرانيين على قوائم العقوبات يجعل من الصعب على المستثمرين التأكد من عدم مخالفة القواعد التنظيمية بصورة غير مقصودة.
وتواجه الشركات أيضًا احتمال التعرض لدعاوى قضائية من ضحايا هجمات قد يتهمون المستثمرين أو الشركات بمساعدة جهات مدرجة على قوائم العقوبات.
تحتفظ إيران بعشرات المليارات من الدولارات في بنوك أجنبية، معظمها ناتج عن عوائد صادرات النفط والغاز، لكنها لا تستطيع الوصول إليها بسبب العقوبات المفروضة على القطاعين المصرفي والنفطي.
ومن بين الدول التي تحتفظ بنوكها بمليارات الدولارات الإيرانية من إيرادات النفط، كوريا الجنوبية والصين واليابان ولوكسمبورغ والعراق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك