تعيش محاكم المغرب، للأسبوع الثاني على التوالي، حالة من الشلل، بسبب توقف آلاف المحامين عن تقديم الخدمات المهنية، احتجاجاً على ما وصفوه بـ" الانحراف الذي عرفه النقاش التشريعي" المرتبط بمشروع قانون مهنة المحاماة، و" استمرار وزير العدل في إثارة قضايا هامشية ومغلوطة لا تعالج الإشكالات الحقيقية للمهنة".
وبدا أثر التوقّف الشامل لمحامي المغرب عن تقديم الخدمات المهنية، والذي يعكس حجم الاحتقان والتوتر غير المسبوق بين هيئات المحامين ووزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، سلبياً على محاكم البلاد، اليوم الثلاثاء، حيث أثرت حالة الشلل التام وتداعياتها بحقوق المواطنين ومصالحهم، وتسببت في تأخير ملفات عديدة معروضة أمام القضاء، في حين لم يتمكن عدد من المتقاضين من تسجيل دعاوى قضائية، إذ يشمل التوقف، وفقاً لبيان جمعية هيئات المحامين بالمغرب، مقاطعة كاملة لمنصة الأداء الإلكتروني للرسوم القضائية، في رسالة واضحة إلى الحكومة مفادها بأنّ المحامين ماضون في نضالهم إلى حين التراجع عن المشروع المثير للجدل وسحبه من مسار التشريع.
وكان محامو المغرب قد دخلوا في إضراب عن العمل في 15 يونيو/ حزيران الحالي لمدة أسبوع، قبل أن يقرر مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي تضم 17 هيئة للمحامين، الجمعة الماضي، التصعيد بمواصلة التوقّف الشامل" حتى إشعار آخر"، بعد تقييم نتائج التوقف الإنذاري الذي خاضه المحامون، وتسجيل ما اعتبروه" مواقف سلبية من طرف وزارة العدل داخل البرلمان وأمام لجنة العدل والتشريع"، خاصة في ظل ما وصفوه بـ" عدم احترام التفاهمات السابقة والتعديلات المقدمة بشأن النص القانوني".
وبينما طالبت الجمعية، في بيان لها، رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بضمان تنفيذ التوافقات المعلن عنها بخصوص مشروع القانون، بدا لافتاً، خلال الأيام الماضية، اتهام محامي المغرب وزير العدل بالتراجع عمّا جرى الاتفاق عليه بينهم وبين رئيس الحكومة في ما يتعلّق بالسماح للنقباء السابقين بالتمثيل التلقائي والدائم في مجالس الهيئات، بعد أن تقدّم في لجنة العدل والتشريع بصيغة مخالفة؛ فقد حذف امتيازات انتخابية لصالح النقباء السابقين في ما يخصّ انتخاب أعضاء مجلس الهيئة، إذ أُدرجوا ضمن فئة المسجّلين لمدّة تفوق 20 سنة، وذلك وفقاً لما تنصّ عليه المادة الـ123 من مشروع القانون وفقاً لتعديلات اللجنة.
كذلك جرى حذف نقباء محامي المغرب السابقين من عدد من المقتضيات، من ضمن المادتَين الـ124 والـ125، إلى جانب حصر مدّة انتخاب النقيب في ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة، بحسب المادة الـ129، مع حذف الامتياز الذي منحته الصيغة السابقة للنقباء السابقين.
من جهة أخرى، أثار تأكيد وزير العدل، خلال جلسة بمجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي) عُقدت في التاسع من يونيو/حزيران الجاري، ضرورة تدخّل المجلس الأعلى للحسابات من أجل التدقيق في ملف المساعدة القضائية وفحصه، حفيظة جمعية هيئات المحامين التي وصفت التصريحات بـ" المسيئة وغير المسؤولة"، وأنّها تستهدف مهنة المحاماة ومؤسساتها ورموزها.
وبحسب رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان (غير حكومية)، محمد رشيد الشريعي، فإن حراك المحامين" محطة نضالية تعكس حجم المخاوف المشروعة المرتبطة بمستقبل المهنة واستقلاليتها ومكانتها الدستورية"، كما تعبر عن" تشبث الجسم المهني بالدفاع عن كرامة المحاماة ومؤسساتها وثوابتها الأساسية.
" واعتبر الشريعي، في حديث مع" العربي الجديد"، أن" مهنة المحاماة ليست مجرد مهنة حرة، بل هي رسالة سامية وشريك أساسي في إرساء العدالة وحماية الحقوق والحريات، وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة، والدفاع عن سيادة القانون.
كما أن استقلال المحامي وحصانة الدفاع واحترام المؤسسات المهنية للمحاماة تشكل ضمانات جوهرية لحماية حقوق المواطنين وصون الأمن القانوني والقضائي".
وأعرب الناشط الحقوقي عن رفضه" كل أشكال الإساءة أو التشهير أو التشكيك التي تستهدف المحامين أو النقباء أو الهيئات المهنية للمحاماة أو التعاضدية العامة لهيئات المحامين بالمغرب"، ولـ" أي مقتضيات أو توجهات من شأنها المساس باستقلال مهنة المحاماة أو الانتقاص من حصانة الدفاع أو التأثير في دورها الدستوري بحماية الحقوق والحريات"، مطالباً بـ" فتح حوار جاد ومسؤول يفضي إلى معالجة مختلف الإشكالات المطروحة في إطار الاحترام المتبادل والتشاور الحقيقي مع المؤسسات المهنية للمحاماة"، مشدداً على أن الدفاع عن استقلال المحاماة وكرامة المحامين ومؤسساتهم المهنية" هو دفاع عن العدالة وعن حقوق المتقاضين وعن دولة الحق والقانون، وأي إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحوار والتوافق واحترام الأدوار الدستورية لكل مكوناتها".
وليست هذه المرة الأولى التي يلقي فيها التوتر بظلاله على العلاقة بين المحامين ووزارة العدل والحكومة الحالية، إذ خاضوا في عام 2024 إضراباً عن ممارسة مهام الدفاع، بسبب رفضهم مقتضيات جاءت في مشروع قانون" المسطرة المدنية" (مجموعة القواعد القانونية التي تحدد الاختصاصات والإجراءات وشكليات التقاضي أمام المحاكم بمختلف درجاتها وأنواعها).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك