وكالة الأناضول - قدم.. رونالدو يقود البرتغال للفوز على أوزبكستان بخماسية نظيفة القدس العربي - محكمة استئناف اتحادية أمريكية تسمح لإدارة ترامب باستئناف الاستخدام الموسع لعمليات الترحيل السريع قناة القاهرة الإخبارية - الشرق الأوسط بعد الحرب الإيرانية.. ترتيبات أمنية جماعية في مواجهة مرحلة إقليمية معقدة| الشرق الأوسط قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - هل تنسحب أمريكا من المنطقة عقب الاتفاق مع إيران؟ القدس العربي - حين يصبح الغش عقلانيا وكالة الأناضول - تفاهمات بين نتنياهو والحريديم لتأجيل حل الكنيست مقابل حزمة تشريعات CNN بالعربية - البرتغال تقسو على أوزبكستان في ليلة تحقيق رونالدو 3 أرقام قياسية وكالة الأناضول - اختتام تدريبات عسكرية قطرية تركية القدس العربي - القراءة الصيفية: من نعاسي يستفيق الكتاب الجزيرة نت - الأدوية تنفد والمستشفيات تعاني.. القطاع الصحي في الضفة مهدد بالانهيار
عامة

غسان شربل... حين تتحول الصحافة إلى ذاكرة للتاريخ

إيلاف
إيلاف منذ ساعتين
1

في الصحافة العربية أسماء كثيرة عبرت المشهد الإعلامي، وكتبت أخبارًا ومقالات وتحليلات، ثم مضت مع الزمن كما تمضي العناوين اليومية إلى أرشيف النسيان. لكن هناك أسماء قليلة استطاعت أن تتحول إلى جزء من ذاكرة...

في الصحافة العربية أسماء كثيرة عبرت المشهد الإعلامي، وكتبت أخبارًا ومقالات وتحليلات، ثم مضت مع الزمن كما تمضي العناوين اليومية إلى أرشيف النسيان.

لكن هناك أسماء قليلة استطاعت أن تتحول إلى جزء من ذاكرة القارئ العربي، لا لأنها كتبت الخبر فحسب، بل لأنها قرأت ما وراء الخبر، وفتحت أبواب التاريخ من خلال الصحافة، وجعلت من المقالة السياسية عملًا أدبيًا وفكريًا قائمًا بذاته.

ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم غسان شربل، ذلك الصحافي اللبناني الذي لم يكتفِ بملاحقة الأحداث، بل جعل من الحوار مع صناعها فنًا خاصًا، ومن الكتابة السياسية مساحة للتأمل في مصائر الدول والرجال والأفكار.

ولد شربل في لبنان، في زمن كانت المنطقة العربية تمور بالتحولات والانقلابات والحروب والأسئلة الكبرى.

وفي تلك البيئة المشتعلة تشكل وعيه الأول، فوجد في الصحافة نافذته لفهم العالم.

بدأ خطواته المهنية في صحيفة" النهار" اللبنانية، إحدى أهم المدارس الصحافية العربية، حيث تعلم أن الخبر ليس مجرد معلومة، وأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة.

ومنذ بداياته بدا مختلفًا عن كثير من أبناء جيله.

لم يكن مفتونًا بضجيج العناوين، بل بما تختبئ خلفها من حكايات.

كان يفتش عن الإنسان داخل الحدث، وعن الفكرة داخل السياسة، وعن التاريخ وهو يتشكل أمام الأعين.

لذلك جاءت كتاباته مشبعة بالحكمة والهدوء والقدرة على رؤية المشهد من زوايا متعددة.

لكن القدر شاء أن تجمعني به معرفة مبكرة تعود إلى عام 1975 في بغداد.

كنت آنذاك في بداياتي الصحافية، أتعلم أسرار المهنة وأخطو خطواتي الأولى في عالم الصحافة.

في صحيفة" الراصد" الأسبوعية تعرفت إليه، الذي كان قد جاء إلى بغداد هاربًا من أتون الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت قد بدأت تلتهم وطنه الجميل.

أتذكره جيدًا وهو يعمل مصححًا لغويًا ومطبعيًا على البروفات الورقية، في زمن كانت الصحافة تُصنع يدويًا، حرفًا حرفًا وسطورًا سطورًا.

وقد عرفني به الشاعر والصحافي الراحل صادق الصائغ، بعدما اطلع غسان على تحقيق استقصائي كنت قد نشرته عن ظاهرة الدروشة في المجتمع العراقي، وكان يومها قد أبدى إعجابه بجرأة الموضوع وطريقة معالجته.

ومنذ ذلك اللقاء الأول بدأت بيننا أحاديث طويلة عن الصحافة والكتابة والحياة.

كان يحدثني عن بيروت التي تركها مرغمًا، وعن ذاكرته اللبنانية المثقلة بالقلق والحب معًا.

وكان يروي لي تفاصيل حياته اليومية في بغداد، مستعيدًا بحنين طريف رحلاته في الباص رقم أربعة، والوجبات البسيطة التي كان يتناولها مع زميله الصحافي عادل حسوني العرداوي، حين يذهبان إلى مطبعة الزمان في باب المعظم لمتابعة طباعة الصحيفة.

كانت تلك التفاصيل الصغيرة تكشف جانبًا إنسانيًا عميقًا في شخصيته؛ فهو لم يكن يرى المدن عبر خرائط السياسة فقط، بل عبر الشوارع والمقاهي والبسطاء والذكريات.

وكان لافتًا حتى في تلك السنوات المبكرة أنه يمتلك فضول الصحافي الكبير.

يسأل أكثر مما يتحدث، ويستمع أكثر مما يروي، وكأنه كان يدرب نفسه مبكرًا على المهنة التي ستجعله لاحقًا واحدًا من أهم محاوري الرؤساء والقادة في العالم العربي.

ومع مرور السنوات انتقل إلى آفاق أوسع.

عمل في صحيفة" الشرق الأوسط" مديرًا لتحرير قسمها السياسي، ثم انتقل إلى مجلة" الوسط" الصادرة عن دار الحياة، حيث برز اسمه بصورة أوضح، قبل أن يتولى رئاسة تحرير صحيفة" الحياة" عام 2004، وهي واحدة من أبرز الصحف العربية التي لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الرأي العام العربي خلال العقود الأخيرة.

وفي الرابع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2016 تولى رئاسة تحرير صحيفة" الشرق الأوسط"، ليقود واحدة من أعرق المؤسسات الصحافية العربية في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ المنطقة.

لكن المناصب لم تكن هي ما صنع مكانة غسان شربل الحقيقية.

فقد صنع مكانته بقلمه أولًا.

فهو من أولئك الكتاب الذين لا يكتفون بوصف ما يحدث، بل يحاولون تفسيره وفهمه وربطه بجذوره التاريخية.

لذلك تبدو مقالاته أشبه برحلات فكرية تتنقل بين الماضي والحاضر، وبين الوقائع والاحتمالات.

وقد تميز شربل على نحو خاص بفن الحوار السياسي.

فالحوار عنده ليس قائمة من الأسئلة الجاهزة، بل عملية استنطاق للتاريخ من خلال الأشخاص.

ولهذا نجح في إجراء سلسلة من أهم الحوارات السياسية العربية المعاصرة، مع رؤساء وملوك وقادة وزعماء تركوا بصماتهم على تاريخ المنطقة.

لقد فتح دفاتر رؤساء لبنان واحدًا بعد آخر، وحاور العقيد معمر القذافي في ذروة حضوره السياسي، ووصل إلى قلب دوائر القرار في أكثر من عاصمة عربية.

وكانت حواراته مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من أكثر الحوارات العربية تأثيرًا وانتشارًا، لأنها تجاوزت الأسئلة التقليدية إلى محاولة فهم الرؤية الجديدة التي تتشكل في المملكة والمنطقة.

ولعل سر نجاحه في هذا المجال يعود إلى قدرته على الإنصات.

فهو لا يدخل الحوار بوصفه محققًا يبحث عن إدانة، ولا بوصفه مروجًا يبحث عن مجاملة، بل بوصفه صحافيًا يريد أن يفهم وأن يجعل القارئ يفهم معه.

أما كتابته فتملك نبرة خاصة يصعب تقليدها.

إنها كتابة تجمع بين البساطة والعمق، وبين الخبرة الصحافية والحس الأدبي.

فهو قادر على أن يختصر أزمة إقليمية كاملة في جملة واحدة، وأن يفتح أمام القارئ أبوابًا واسعة من التأمل من خلال عبارة عابرة.

ولذلك لم يكن غريبًا أن ينال عام 2017 جائزة شخصية العام الإعلامية ضمن جوائز الصحافة العربية في دبي، وهي جائزة لم تكن تكريمًا لمنصب أو مؤسسة، بل اعترافًا بمسيرة طويلة من العمل المهني الرصين.

وإذا كانت الصحافة العربية قد عرفت عبر تاريخها صحافيين كبارًا كتبوا التاريخ من خارجه، فإن شربل ينتمي إلى فئة أخرى؛ فئة الصحافيين الذين كتبوا التاريخ وهم يعيشونه لحظة بلحظة.

ولذلك تحولت مقالاته وحواراته إلى وثائق سياسية وثقافية ستبقى مرجعًا للأجيال المقبلة.

لقد ظل وفيًا لفكرة الصحافة بوصفها بحثًا دائمًا عن الحقيقة، ووفيًا أيضًا لفكرة الحوار بوصفه جسرًا بين البشر لا ساحة للخصومة.

ولهذا لم يكن مجرد رئيس تحرير ناجح، بل أصبح أحد أبرز الأصوات الفكرية والإعلامية في العالم العربي.

ما يلفت في تجربته أنه لم يقع في فخ الصحافة اليومية التي تستهلك أصحابها مع مرور الزمن.

فبينما اختفى كثير من نجوم الصحافة مع تبدل العناوين والأنظمة والخرائط السياسية، استطاع هو أن يحافظ على حضوره وتأثيره لأنه بنى مشروعه على المعرفة لا على الإثارة، وعلى الفهم لا على الانفعال.

كان يدرك أن الصحافي الحقيقي لا يكتفي بملاحقة الحدث، بل يسعى إلى فهم السياق الذي ولده والنتائج التي سيتركها.

ولهذا جاءت مقالاته أقرب إلى شهادات تاريخية مكتوبة بلغة صحافية رشيقة، تجمع بين دقة المعلومة وعمق الرؤية.

وقد منحته هذه الميزة مكانة خاصة بين أبناء جيله، فأصبح واحدًا من قلة من الصحافيين العرب الذين يقرأهم السياسي والمثقف والقارئ العادي في آن واحد، لأن كل فئة تجد في كتاباته ما يضيء جانبًا من أسئلتها واهتماماتها.

واليوم، بعد نصف قرن تقريبًا من ذلك اللقاء البغدادي الأول، ما زلت أرى فيه ذلك الصحافي الذي كان يحمل أوراق البروفات في صحيفة الراصد، ويحدثني عن بيروت وبغداد، وعن الباص رقم أربعة، وعن أحلام الصحافة العربية.

غير أن تلك الأحلام الصغيرة كبرت مع الزمن، حتى أصبح صاحبها واحدًا من أشهر الأقلام العربية التي لم تكتفِ بتدوين الأحداث، بل شاركت في كتابة الذاكرة السياسية والثقافية للعرب.

وهكذا يبقى غسان شربل شاهدًا على زمن عربي مضطرب، وواحدًا من أولئك الذين أدركوا أن الصحافة ليست مهنة عابرة، بل مسؤولية تاريخية، وأن الكلمة حين تُكتب بصدق يمكن أن تتحول إلى وثيقة، وأن المقالة الجيدة قد تكون أحيانًا أكثر بقاءً من الحدث نفسه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك