شهدت السياسة الجنائية في الأردن عبر العقدين الماضيين تذبذباً ملحوظاً في التعامل مع عقوبة الإعدام.
فبعد فترة من" التجميد الاختياري" الفعلي لتنفيذ العقوبة تماشياً مع المواثيق الدولية، عاد الملف للواجهة بقوة إثر تبدّل المعطيات الأمنية الإقليمية والمحلية.
واليوم، يتصاعد الحديث عن توجه حكومي لتوسيع نطاق تطبيق العقوبة وتنفيذها، لا سيما في الجرائم التي باتت تمس الأمن القومي والسلم المجتمعي بصورة مباشرة، وعلى رأسها الإرهاب وتهريب ومكافحة المخدرات.
وتجسيداً لهذا التوجه، شمل تنفيذ الأحكام الأخيرة قبل أيام ستة مدانين في قضايا بارزة أثارت الرأي العام الأردني سابقاً، مثل قضية" خلية السلط" الإرهابية عام 2018، وقضية مقتل العميد عبد الرزاق الدلابيح عام 2022.
كذلك أعدم متهمان بقضايا الاتجار بالمخدرات ومقاومة رجال الأمن.
وبعد ساعات قليلة من تنفيذ أحكام الإعدام فجراً، أعلن رئيس الوزراء الأردني جعفر حسّان، توجه حكومته لإجراء تعديلات قانونية لتطبيق عقوبة الإعدام على نطاق أوسع" على كبار تجار ومهربي المخدرات الذين يعملون مع العصابات الخارجية"، بحسب تعبيره، وعلق حسان، على تنفيذ أحكام عقوبة الإعدام بحق المدانين الستة، بأنها" رسالة واضحة" لمن يجرؤ على الاعتداء على" نشامى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية".
كذلك أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني أن هناك أكثر من 100 شخص يواجهون عقوبة الإعدام في السجون الأردنية سيجري تنفيذ الأحكام بحقهم تباعاً في هذا الإطار.
وفقاً للخلفية التاريخية لسياسة الإعدام في الأردن، شهدت الأعوام من 2006 حتى 2014، مرحلة تجميد، حيث لم تُنفذ أحكام إعدام خلال هذه الفترة عملياً، على رغم استمرار صدورها من المحاكم.
وجاء ذلك في سياق توجهات حقوقية دولية نحو تقليص أو إيقاف العقوبة.
في عام 2014 أعلنت السلطات الأردنية استئناف تنفيذ أحكام الإعدام، وشمل التنفيذ عدداً من المدانين بجرائم خطرة، من بينها الإرهاب والقتل العمد.
وبررت الحكومة ذلك في حينه بضرورة تعزيز الردع وحماية الأمن العام، مما اعتبر تحولاً في السياسة العقابية وفقاً لتقارير منظمة العفو.
وفي سياق القراءة الأمنية والقانونية لهذه التحولات، يؤكد الخبير الأمني بشير الدعجة أن تنفيذ أحكام الإعدام يندرج في إطار ترسيخ سيادة القانون وحماية الأمن الوطني، ولتكون رسالة حاسمة بأن الدولة لن تتهاون مع أي محاولات لاستهداف مؤسساتها أو زعزعة استقرار المجتمع.
يوضح الدعجة أن الأردن لا يخالف التزاماته الدولية كونه ليس طرفاً في البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف لإلغاء العقوبة.
ولفت إلى أن العودة لتفعيل الإعدام في قضايا الإرهاب والمخدرات والاعتداء على رجال الأمن هي ضرورة أملتها اعتبارات الردع العام والخاص لحماية هيبة الدولة، وليس من منظور انتقامي.
من الناحية القانونية والتشريعية، تتوزع المظلة العقابية القصوى في الأردن على ترسانة من القوانين الخاصة والعامة، إذ تستند عقوبة الإعدام بالدرجة الأولى إلى قانون العقوبات الأردني وتعديلاته، إضافة إلى قانون منع الإرهاب وقانون المخدرات والمؤثرات العقلية.
وتُعرف المادة (17) من قانون العقوبات الإعدام إجرائياً بأنه" شنق المحكوم عليه"، وهي الوسيلة المعتمدة رسمياً لتنفيذ العقوبة في المملكة للتشريعات المدنية.
ولم يغفل المشرّع الأردني وضع ضمانات دستورية صارمة تمنع التعسف، حيث ينص الدستور الأردني في مادته (39) على حصانة قانونية استثنائية تُعلّق تنفيذ العقوبة، إذ" لا ينفذ حكم الإعدام إلا بعد تصديق الملك، ولكل محكوم عليه بالإعدام الحق في رفع التماس عفو خاص".
وتحال القضية تلقائياً إلى محكمة التمييز (أعلى سلطة قضائية) لتدقيق الحكم من حيث الموضوع والشكل، حتى لو لم يتقدم المحكوم بطعن، وهي ضمانة قضائية فريدة تؤكد تريّث القضاء الأردني في الدماء.
وتتجسد أبرز الجرائم التي تطبق فيها العقوبة في ثلاثة مسارات رئيسة شهدت تشديداً وتوسيعاً في الآونة الأخيرة، وهي الجرائم الإرهابية حيث وسّع قانون منع الإرهاب لعام 2014 من نطاق الأفعال التي تستوجب الإعدام، لتشمل الأعمال التي تؤدي إلى موت إنسان، أو هدم وتخريب البنى التحتية، أو تصنيع وحيازة الأسلحة والمواد المتفجرة بقصد استخدامها في أعمال إرهابية.
استجابة مباشرة لتصاعد التهديدات الأمنية المرتبطة بالجماعات المتطرفة عابرة الحدود في المنطقة، ورغبة الدولة في إيجاد رادع حاسم يحمي منشآتها وأمن مواطنيها، بحسب قانونيين.
إضافة الى جرائم المخدرات الكبرى وذلك بالنظر إلى موقع الأردن الجيوسياسي كـ" ممر إقليمي" مستهدف لشبكات التهريب الدولية المنظمة بخاصة تهريب الكبتاغون والسلاح عبر الحدود الشمالية والشرقية.
إذ غلظ المشرع الأردني العقوبات في تعديلات قانون المخدرات.
فباتت عقوبة الإعدام تطبق في حالات محددة شديدة الخطورة، مثل استخدام السلاح ضد رجال مكافحة المخدرات، أو قيام عصابات دولية مسلحة بالتهريب، مما يحوّل الجريمة من سياقها الجنائي التجاري إلى مهدد حقيقي للأمن القومي.
أما الجريمة الثالثة فهي الاعتداء على النفس (القتل العمد): وهي جريمة منصوص عليها في المادة (328) من قانون العقوبات ولاعتبارات اجتماعية وسياسية وازنة، فالشارع الأردني يضغط باستمرار نحو تشديد العقوبات لتعزيز ثقة المجتمع بالنظام القضائي والدولة كضامنة للحقوق، فضلاً عن البعد العشائري والاجتماعي.
ويرى متخصصون من بينهم الخبير الدستوري ليث نصراوين أن العزوف عن تنفيذ أحكام الإعدام، الذي امتد لقرابة العقد من الزمان، لا يمكن بحال من الأحوال تكييفه على أنه إلغاء أو تجميد قانوني للعقوبة.
فالدولة الأردنية لم تصدر أي قرار رسمي أو صريح يقضي بذلك، كذلك لم يطرأ أي تعديل على النصوص التشريعية التي تقر هذه العقوبة، بل ظلت قائمة في القوانين واستمرت المحاكم الوطنية في النطق بها.
يضيف نصراوين" على العكس من ذلك، أدخل المشرع خلال الأعوام الماضية تعديلات وسعت نطاق العقوبة لتشمل جرائم محددة، مما يبرهن على أن ما جرى سابقاً لم يكن سوى توقف عملي وإجرائي في مرحلة التنفيذ، ولم يرتقِ يوماً لمرتبة الإلغاء التشريعي".
بدوره يقول اللواء المتقاعد عمار القضاة، إن تطبيق أحكام الإعدام في الأردن يحصل ضمن منظومة قانونية دقيقة تراعي التوازن بين متطلبات العدالة واعتبارات الردع والبعد الإنساني.
ويوضح أن الأردن لم يشهد تنفيذ أحكام إعدام بحق إناث سوى في حالة واحدة، تمثلت في المدانة ساجدة الريشاوي، التي أُدينت على خلفية تورطها في تفجيرات فنادق عمّان الإرهابية عام 2005، مشيراً إلى أن قانون العقوبات الأردني ينص على عدم تنفيذ حكم الإعدام بحق المرأة الحامل، حيث تُستبدل العقوبة بعقوبة الأشغال المؤبدة، وهو توجه يعكس فلسفة العدالة الجنائية في الأردن، القائمة على عدم انتقال أثر العقوبة إلى شخص بريء.
تاريخياً، ارتبطت أشهر عمليات تنفيذ أحكام الإعدام في الأردن بالقضايا التي مسّت الأمن القومي بصورة مباشرة، أو تلك التي أحدثت صدمة وغضباً عارماً في الشارع الأردني.
من أبرزها إعدام ساجدة الريشاوي وزياد الكربولي في فبراير (شباط) 2015 وتعتبر هذه العملية الأسرع والأكثر رداً دراماتيكياً في تاريخ المملكة الحديث.
وساجدة الريشاوي هي الانتحارية العراقية الناجية من تفجيرات فنادق عمان الثلاثة الشهيرة عام 2005، التي أسفرت عن مقتل 60 شخصاً، أما زياد الكربولي فهو القيادي في تنظيم" القاعدة" بالعراق والمدان بقتل مواطنين أردنيين.
وجاء إعدام هؤلاء بعد ساعات قليلة من بث تنظيم" داعش" الإرهابي شريط فيديو يظهر جريمة إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، كرسالة رد سيادية ومزلزلة من الدولة على التنظيم، بحسب حقوقيين.
وفي مارس (آذار) 2017، نفذ الأردن أكبر عملية إعدام جماعي منذ عقود، شملت 15 محكوماً 10 منهم أدينوا بقضايا إرهابية كبرى، و5 بقضايا جنائية مغلظة كقتلى واعتداءات جنسية.
من أبرز هذه القضايا قضية خلية إربد الإرهابية التي ينتمي أفرادها لعصابات الفكر المتطرف والذين اشتبكوا مع الأجهزة الأمنية في إربد عام 2016 وأدت إلى مقتل الرائد راشد الزيود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك