كان ذلك في حُدود عام 1987.
التقيتُ الصّديق محمد سليمان سيد علي الرفاعي، وزير التخطيط آنذاك في مكتبه، وهو أحد الذين آمنوا بفلسفة التخطيط كمبدأ فكري وحالة واقعيّة لا كمنصب أو وظيفة.
حدّثني عن رؤيته لعمل وزارة أُنشئت عام 1976 لكنها بقيت في الإطار النظري ولم تحصل على الاهتمام الكافي، وأنه يُريد تحويلها لواحدة من أهمّ الوزارات العملية التي تضبط إيقاع غالبيّة قرارات السلطة التنفيذيّة وتُؤمّن لها المسالك الصحيحة لترجمتها على أرض الواقع.
أذكر، إن لم تخني الذاكرة، أنه قدّم عرضاً مُختصراً إنّما بفاعلية مُوسّعة.
قال إنّ كلّ القرارات الوزارية خصوصاً تلك المُتعلّقة بالمشاريع الصغرى والكبرى وخُطط والتزامات الوزارات والجهات الحكومية، تتشارك فيها وزارة التخطيط لإبداء المُلاحظات وتحديد العقبات ومُساعدة هذه الجهات على التمييز بين الاقتراح الواقعي الذي قد ينجح وبين الاقتراح النظري الذي قد لا يجد طريقاً إلى التنفيذ.
بعد ذلك، تتولّى الوزارة مُراقبة عمل الوزارات والجهات بحيث تأخذ القرارات والتوصيات والتعهّدات صفة الإلزامية مع جدول زمني مُحدّد.
أطلعني على لوحة كبيرة يستخدمها للكتابة بنفسه (تكنولوجيا ذلك العصر) وتشمل عواميد لكل وزارة: الأول خُطّة عمل الوزارة التي قدّمتها بداية السنة والتصوّر الزمني لها، والثاني مدى الإنجاز حتى تاريخه، فإن كان الإنجاز فوق الخُطّة فالعمود باللون الأخضر، وإن كان مُتوازياً مع الخُطّة فالعمود بالأصفر، وإن كان إنجاز الوزارة أقلّ من الخُطّة فالعمود بالأحمر.
وبهذا يتم التعرّف على إنجاز كلّ وزير أو وزارة.
وفي أسفل اللوحة مُلاحظات حول سير العمل والعقبات وحُجج الوزير أو الجهة الحكوميّة المُتعلّقة بالتأخير.
ومُلاحظات وزارة التخطيط حول جِدّية العوائق أو قصور الوزارة أو وجود بُطء وإهمال.
وزير التخطيط كان يُعطي كل ثلاثة أشهر، استناداً إلى مُتابعات فريق عمله، شهادات مُوثّقة حول سير العمل، مع الخُلاصات والتوصيات والعقبات وإيجاد حلول لها عبر مجلس الوزراء.
خَلَقَت هذه المُتابعة جدّية مُطلقة في العمل الوزاري وكانت بحقّ رقيباً حكومياً على الحكومة.
الجميع يعلم ما حصل بعد ذلك، تعاقب وزراء على «التخطيط» إنما كانت الظروف تغيّرت والحماسة خفّت وهيبة هذه الوزارة تحديداً تراجعت.
صارت أشبه بوظيفة مكتب استشاري ومركز أبحاث إلى أن أُلغيت.
كانت الوزارة رقيباً جِدّياً لمُتابعة التنفيذ فصارت الحكومات بأكملها رهينة المُساومات مع النواب وتحوّلت من سلطة تنفيذيّة إلى حزب تجمعه عصبيّة «رسمية» مُقابل حزب آخر تجمعه عصبيّة المصالح بدل التركيز على التشريع والرقابة.
ومن سُخرية القدر أنّ وجود وزارة تخطيط «فاعلة» وليست اسمية كان يفترض أن يكون هو الرابط الأقوى بين الحكومة والمجلس لأن إطار عملها يجمع بين السلطتين.
كان «التخطيط» في الكويت مجلساً سُمّي «الإنشاء»، وتحوّل إلى مجلس ثم وزارة، ثم عاد مجلساً مع أمانة عامّة أضيفت إليه صفة «التنمية».
في البدايات كان التركيز على الجانب العمراني والتنظيم المدني والبنى التحتية والإسكان.
ثم تحوّل إلى رسم السياسات وتمّ إعداد الخُطّة الخمسية الأولى، ومع الوزارة صار للتخطيط جهاز تنفيذي، ومع عودة «التخطيط» إلى مجلس صارت مُهمّته شبه إشرافية تتعلّق بالرؤية المُستقبليّة، ومع الأمانة العامة كان مأمولاً أن تكون له أذرع تنفيذيّة إنّما حكمت الظروف أن يُصبح الموضوع في الإطار النظري مثل مُتابعة خُطط التنمية والرؤية الحكومية.
في ظلّ الظروف الراهنة التي تمرّ بها البلاد، وفي وضع غابت معه الضغوطات والمُساومات والصفقات بين الحكومات والمجلس، ومع تطوّر العمل الوزاري واتساع مُهمّات السلطة التنفيذيّة، تبدو الحاجة إلى إعادة وزارة التخطيط مُلحّة أكثر من أيّ وقت كان.
هذه الوزارة قد تكون الركن الأساس الذي يستند إليه رئيس الحكومة في تقييم أداء الوزراء والوزارات، وفي الوقت نفسه يُوفّر عليه وقتاً طويلاً من المُتابعات اليومية.
ونظرة سريعة إلى مجموعة القرارات التي ثبت فشلها وتخبّطها في العقدين الماضيين تظهر بشكل جليّ أنه لو كانت وزارة التخطيط موجودة لكانت النتائج مُختلفة تماماً.
عام 2013 كتبتُ راصداً بعض القرارات التي سيكون لها أثر سلبي جداً على المُستقبل، أنّ الحكومة آنذاك «لا تريد أن تخرج في قراراتها من عباءة الحاضر ولذلك ألغت أهم وزارة يُمكن أن تفتح نوافذ المُستقبل.
وزارة التخطيط»، وتحدّثت عن خُطوات اتخذت ستُؤدّي إلى إفلاس لا إلى إرباك فحسب.
ومن هذه الخُطوات «ضياع واحدة من أهمّ المُؤسّسات وأكثرها ضرورة للاستقرار الاجتماعي.
»أعيدوا الأخضر والأصفر والأحمر إلى مجلس الوزراء.
أعيدوا الفكرة وجوهرها مع الحداثة وتغيّر التّقنيات وتطوّر أساليب الرقابة والمُتابعة.
أعيدوها من أجل مُستقبل أفضل وأكثر ثباتاً لأجيالنا.
أطال الله بعمر محمد سليمان سيد علي الرفاعي ولا ضَيْرَ من الاستعانة به وبأمثاله لإعطاء الرأي السّديد في مثل هذه الأمور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك