طالما ظلت إسرائيل تعتبر المواجهة مع إيران حربا وجودية، ومعادلة صفرية لا تقبل الحلول الوسط، فإنها لن تدخر سلاحا يمكن أن تستخدمه خلال الحرب، مهما كانت تكلفته.
المتغير الأشد حساسية في ذلك هو الموقف من الولايات المتحدة، الذي لا تستطيع تحمل تكلفته، إذا ساءت العلاقات.
وقد ألمح بعض الخبراء والمعلقين إلى أن التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأمريكي جيمس ديفيد فانس، تنطوي على إشارة قد تضع المساعدات العسكرية في مهب الريح، إذا تدهورت العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.
في هذا الوضع، ومع استمرار تجنب نتنياهو الصدام المباشر مع ترامب، فإن أفضل الخيارات بالنسبة له خلال الأشهر القليلة القادمة، حتى موعد الانتخابات العامة، تتمثل فيما يلي:*الاستمرار في تجنب الصدام المباشر، فليس هذا وقته، مع تكثيف استخدام أساليب الحرب كافة من الداخل ضد كل من طهران وواشنطن، بهدف أن تفقد المفاوضات الأمريكية – الإيرانية مصداقيتها، وأن يبدو الاتفاق بعيدا أو مستحيلا.
*تعبئة قوى معارضة الاتفاق إيرانيا وأمريكيا من الداخل، حتى يبدو الاتفاق في كل من البلدين غريبا وغير محتمل الحدوث.
*إسرائيل تريد ألا تنعم طهران بثمار السلام ووقف الحرب، لأن هذا يعني تعزيز قوة النظام الذي كانت تهدف لإسقاطه بالحرب.
إسرائيل فعلت ذلك من قبل بعد معاهدة السلام مع مصر، من باب حرمانها من التمتع بثمار السلام.
لاحظ أنها في النموذج المصري لمرحلة ما بعد معاهدة السلام، لجأت إلى توظيف التطرف الإسلامي كوسيلة لإغراق البلاد في مأساة سياسية وأمنية بدأت باغتيال الرئيس السادات عام 1981 أي بعد عامين فقط من توقيع معاهدة السلام، فيما بدا وأن هذه المأساة كانت مجرد إنتاج محلي صرف، بينما هي لم تكن كذلك بالضبط.
*تثبيت الوضع العسكري والأمني لمصلحة إسرائيل في لبنان والاستمرار في الحرب ضد حزب الله.
لن تتوقف إسرائيل عن محاولة نسف الاتفاق بكل الطرق، بدءا من استمرار الحرب في الجبهة اللبنانية، إلى تشجيع تأييد الموقف الإسرائيلي علنا في الولايات المتحدة تحت مبرر «حق الدفاع عن النفس»*توسيع نطاق الاحتلال والسيطرة في الضفة الغربية وغزة وإقامة حقائق جديدة على الأرض لإزالة أي احتمال لحل الدولتين.
*استمرار العمل من الداخل في إيران مع عدم تفويت أي فرصة تلوح في الأفق لتوجيه ضربة عسكرية خاطفة أو أكثر، لإضعاف مصداقية النظام وتوسيع شقة الخلافات بين مراكز السلطة هناك، لكنه لا يملك القدرة على شن حرب شاملة ضدها.
*استمرار العمل في بناء «الاستقلال الدفاعي» عن الولايات المتحدة وعدم السماح بانقلاب ميزان القوى الإقليمي لغير صالحها.
ببساطة لن تتوقف إسرائيل عن محاولة نسف الاتفاق بكل الطرق، بدءا من استمرار الحرب في الجبهة اللبنانية، إلى تشجيع تأييد الموقف الإسرائيلي علنا في الولايات المتحدة تحت مبرر «حق الدفاع عن النفس»، وستلجأ إلى تحويل إجراءات مسار تنفيذ الاتفاق إلى مصادر يومية للصداع الإعلامي والسياسي، بحيث يتحول التفاهم مع إيران إلى قضية محورية في انتخابات نوفمبر.
لكنها مع ذلك ستلتزم عدم الدخول في مواجهة مكشوفة مع الرئيس الأمريكي.
هذا لا يمنع مؤيدي إسرائيل من صب جام غضبهم على نائب الرئيس جى دي فانس الذي تصدّر المشهد في الهجوم على الموقف الإسرائيلي من المفاوضات.
ونتوقع أن تعمل أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية على تحريك جماعات متطرفة داخل إيران لزعزعة النظام على أرضية رفض الاتفاق، وكذلك تشجيع المنظمات والحركات الانفصالية المتطرفة.
تقيس إسرائيل نجاح عملياتها العسكرية بأعداد من قتلتهم قذائفها، والمنشآت التي دمرتها، ومقدار الخراب البشري والمادي الذي أحدثته، وهي معايير بربرية، رغم أنها تتهم خصومها بأنهم «وحوش بشرية»! وليس جديدا عليها أن تستمر في ذلك، لأنها كما قال، عن حق، نائب الرئيس الأمريكي فانس، ما تعرضت لمشكلة حتى شقت طريقها إليها بالقتل، ليس لديها سلاح آخر.
وبعد أن قرر الرئيس الأمريكي إنهاء حرب إيران، ووقف إطلاق النار في الجبهات الأخرى، بما فيها لبنان، أعلن نتنياهو أن إسرائيل غير معنية بالتفاهم بين واشنطن وطهران، وأن قواتها لن تنسحب من جنوب لبنان، وسوف تحتفظ بما تسميه «منطقة أمنية جنوب نهر الليطاني»، طالما رأت حاجة لذلك، كما تحتفظ لنفسها بخيار استمرار الحرب على إيران، ما يعني مواجهة مكشوفة مع الإدارة الأمريكية، في وقت تعلم قيادتها أنها أصبحت دولة منبوذة في العالم كله، بمعايير القانون الدولي، والمعايير الأخلاقية والإنسانية التي ناضلت شعوب العالم من أجلها ولا تزال.
إسرائيل تعلم أنها، بسبب سياساتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني والشعوب المجاورة، دولة مكروهة، ولكنها تحاول استغلال سيل الكراهية أداة للابتزاز السياسي، باستخدام مصطلحات مضللة مثل «العداء للسامية» و»العداء للصهيونية».
هذا الابتزاز السياسي يعبر عن نفسه كل يوم في الإعلام الإسرائيلي والخطاب السياسي الرسمي، بهدف إعادة إنتاج صورة «اليهودي الضحية».
وقد عبر عن ذلك وزير الأمن القومي الإسرائيلي المهووس دينيا بن غفير ردا على فانس (في منشور على منصة أكس) قائلا: «هذا هو اقتراحي يا جيه دي فانس: تعاملوا مع نازيي القرن الحادي والعشرين تماما كما تعاملت الولايات المتحدة مع نازيي القرن العشرين»، وهي رسالة تعني أن إسرائيليّ اليوم هم ضحايا الأمس وليسوا المعتدين القتلة مصاصي الدماء.
في ظل ذلك يسعى نتنياهو لإعادة تقديم نفسه للناخبين، استعدادا للانتخابات العامة القادمة، على أنه «البطل المُخَلِّص» بإصراره على ترديد القول إن «إيران لن تمتلك سلاحا نوويا» طالما بقي هو رئيسا للوزراء! في حين أن السلطات الإيرانية تنفي دائما أنها تسعى لامتلاك سلاح نووي، ما يعني أنه يعيد للأذهان صورة «دون كيخوته» الذي يعيش وهم الانتصار في حرب طواحين الهواء.
ينطلق الفكر الإسرائيلي في نظرته إلى قوة إيران من أنها تهديد وجودي للدولة اليهودية.
ولا يتفوق على إيران في ذلك إلا المقاومة الفلسطينية، باعتبارها السلاح الرئيسي لانتزاع حق تقرير المصير للشعب صاحب الأرض المغتصبة.
إسرائيل لم تُسْتدعَ إلى مفاوضات إسلام آباد غير المباشرة، ولو حدث لما كانت للمفاوضات نتيجة تُذكَر، لأن نتنياهو لا يعرف غير طريق القتل والخراب ويزهو به، ثم وجدت إسرائيل نفسها بعد صدور مذكرة التفاهم مطالبة بتنفيذ الاتفاق، بينما كانت التعليمات قد صدرت للجيش الإسرائيلي بوضع خطة لحرب جديدة مع إيران، حسب تصريحات صدرت عن رئيس الأركان إيال زامير.
وهنا وصلت الصدمة إلى ذروتها.
نتنياهو الذي كان قد أعلن للعالم في بداية العام الحالي عبر مقابلة مع مجلة «الإيكونوميست» البريطانية أن إسرائيل تنفذ خطة لتحقيق «الاستقلال الدفاعي» عن الولايات المتحدة في غضون عشر سنوات، يعلم علم اليقين أن الخطة يمكن أن تتعرض للإجهاض المبكر، في حال حدوث صدام مع الولايات المتحدة، ولذلك فإنه يحاول تجنب هذا السيناريو.
لقد عززت الخلافات بشأن المفاوضات مع إيران فكرة افتراق المصالح القومية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط، وهي فكرة تستدعي ضرورة التخلي عن النظرة الخطية إلى السياسة الإقليمية لكل من الدولتين، التي تفترض تطابقهما في المصالح.
إن التخلي عن النهج الخطي يفتح الباب لدبلوماسية ذكية ماهرة، أكثر تنوعا على المستوى الإقليمي، تعتمد على منهج التحليل الشبكي اللاخطي، وهو منهج أشد تركيبا يتقاطع ويتطابق ويفترق في عملية بناء العلاقات بين الدول الحاضرة، سياسيا وماديا داخل الإقليم، على خلاف المنهج الذي يدير تلك العلاقات بطريقة: «هؤلاء هم أصدقاؤنا نتعاون معهم، وهؤلاء هم خصومنا نعاديهم».
وطبقا لرؤية عدد كبير من خبرائها ومسؤوليها، ومنهم مائير بن شبات، فإنها لا تزال تدير علاقاتها داخل الإقليم وخارجه، بمنهج «هؤلاء هم أصدقائي، وهؤلاء هم أعدائي».
كتب بن شبات رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، مقالا في منتصف الشهر الحالي عبّر فيه بشكل غير مباشر عن نظرة المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية إلى تفاهم إسلام آباد، قال فيه إن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أوضح أن «مصالح الولايات المتحدة في الاتفاق مع إيران قد تختلف عن مصالح إسرائيل».
ونقل عنه قوله: «سواء أعجب ذلك إسرائيل أم لا، فهذه مصلحة الولايات المتحدة».
ووجه بن شبات في مقاله رسائل غير مباشرة تعتبر أن مواقف البيت الأبيض تمثل خيانة للمصالح الأمريكية، ونزعة انهزامية في مواجهة الإرهاب.
واختتم بن شبات مقاله قائلا: «إن إسرائيل ليست طرفاً في الاتفاق، وعليها الالتزام بموقفها التقليدي، الذي يقضي بفعل كل ما يلزم للدفاع عن أمنها.
ينطبق هذا على جميع الجبهات، وبالتأكيد على الجبهة اللبنانية.
ليس عليها أن تستفز ترامب أو تجادل معه أو تتحدى أوامره».
وأنهى مقاله بقول إيال زامير: «أفعالنا ستتحدث».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك