وساطة الثقة.
حين تُختبر السمعةفي يوم قائظ من أيام لندن، وكانت بريطانيا تقف على عتبة موجة حر قيل إنها قد تدفع يونيو إلى أرقامه القصوى، ذهبت إلى مجلس اللوردات في البرلمان البريطاني ملبياً دعوة للقاءات عمل، بصفتي رئيس مجلس الوساطة الدولية.
كان في تقديري أن يدور الحديث حول دور المنظمات غير الحكومية في دعم الحكومات، وكيف تستطيع مؤسسات مستقلة، مثل مجلسنا، أن تسند مسارات السلام بالأفكار والخبرات والمساحات الهادئة، من غير أن تزاحم الدولة في اختصاصها أو تدعي ما ليس لها.
غير أن النقاش أخذ، منذ بدايته، طريقاً أوسع مما توقعت.
فقد صادف ذلك اليوم أن كانت نتائج الجولة الأولى من محادثات بورغنشتوك قرب لوسيرن في سويسرا تتضح للعيان، وأن الوساطة القطرية، ومعها الجهد الباكستاني، بدأت تفتح مساراً تفاوضياً بين الولايات المتحدة وإيران.
عندها لم تعد قطر مجرد مثال يرد في سياق الحديث، بل صارت موضوعاً قائماً بذاته، وسؤالاً عن معنى السمعة حين تتحول من انطباع عام إلى رصيد سياسي فعّال.
لم تكن الأسئلة التي طُرحت أسئلة مجاملة، ولا كانت صادرة عن انبهار عابر.
كانت أقرب إلى محاولة فهم لتجربة أصبحت تستحق الدراسة.
كيف استطاعت دولة محدودة المساحة أن تصبح واسعة الحضور في ملفات الوساطة.
وكيف تحولت الدوحة إلى مكان يثق فيه أطراف لا يثق بعضهم ببعض.
وكيف أمكن لسياسة قليلة الضجيج أن تترك أثراً لا تصنعه، في كثير من الأحيان، الخطب العالية ولا المواقف الصاخبة.
والجواب، في تقديري، أن الوساطة القطرية لم تُبن على الادعاء، بل على التراكم.
فهي لم تدخل الأزمات طلباً للصورة، بل بحثاً عن النتيجة.
ولم تتعامل مع الوساطة بوصفها مناسبة دبلوماسية، بل عملاً طويلاً يحتاج إلى صبر، وكتمان، ومعرفة دقيقة بمخاوف الأطراف وحدود الممكن.
فالوسيط الناجح لا يفرض السلام، ولا يخترع إرادة غير موجودة، لكنه يعرف كيف يفتح ممراً بين الخوف والمصلحة، وبين الذاكرة المثقلة بالحروب وإمكان التسوية.
وفي الحالة الأمريكية الإيرانية تتضح قيمة هذا المعنى أكثر.
فالمسألة ليست خلافاً محدوداً، بل تراكم طويل من الشك، وحرب فتحت أبواب القلق على المنطقة والعالم.
لذلك تبدو أهمية الوساطة في قدرتها على خفض الحرارة السياسية، وتنظيم الحوار، وتحويل النجاح الأول إلى مسار قابل للبناء عليه.
وهنا يأتي الدور القطري، ومعه الدور الباكستاني، في لحظة تحتاج إلى وسطاء يملكون الصدقية أكثر مما يحتاجون إلى الأضواء.
إن الأمل اليوم أن تنضج هذه المفاوضات بعد جولتها الأولى، وأن تمضي نحو خاتمة ناجحة تفتح باب سلام قابل للحياة.
وهذا المسار يعكس قيادة سيدي صاحب السمو الأمير المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله، وجهد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، وعمل فرق التفاوض والوساطة الفنية في وزارة الخارجية القطرية، إلى جانب الشريك الباكستاني.
غير أن النجاح الأخير سيظل مرهوناً بجدية الطرفين، الولايات المتحدة وإيران، واستعدادهما لاختيار صعوبة الاتفاق على سهولة العودة إلى المواجهة.
وحين غادرت مجلس اللوردات، بعد يوم طويل من اللقاءات مع فريقي، بقي في ذهني أثر تلك السمعة التي صنعتها دولة قطر بعمل دؤوب لا بضجيج عابر.
فالرجاء، اليوم كما في كل يوم، أن تنجح قطر، ومعها كل وسيط صادق، في إيجاد شركاء راغبين في العبور من الحرب إلى التسوية.
لكن سلام منطقتنا سيظل ناقصاً ما دامت المأساة الإنسانية الأقدم في ذاكرتنا، مأساة الشعب الفلسطيني، حاضرة دون حل عادل.
ولعل الوساطة التي تنصف فلسطين تكون آخر وساطة كبرى تحتاجها منطقتنا، لأنها عندئذ لا تنهي نزاعاً فحسب، بل تفتح باب سلام يستحق اسمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك