العصاب الجماعي العربي.
حينما يتحول العجز إلى ثقافةليست الإشكالية في أن يترك التاريخ ندوبًا في جسد الأمم؛ فكل الشعوب تحمل آثار انتصاراتها وهزائمها على حد سواء، وإنما تكمن المأساة حين تتحول تلك الندوب إلى جرح مفتوح لا يكفّ عن النزف، أو إلى ما يشبه العُصاب الجماعي، (Collective Neurosis)، يعيد إنتاج آلامه ومخاوفه وأوهامه عبر الأجيال.
وما عاشه العرب خلال العقود السبعة الماضية لم يكن مجرد سلسلة من الانتكاسات السياسية أو الهزائم العسكرية، بل مسارًا طويلًا من التآكل أصاب فكرة الذات العربية في عمقها؛ ذاتٌ فقدت تدريجيًا ثقتها بقدرتها على الفعل والتأثير وصناعة المستقبل، حتى باتت أسيرة ذاكرة الهزيمة أكثر من كونها فاعلًا في صناعة التاريخ.
فمنذ نكبة فلسطين عام 1948، لم يخسر العرب أرضًا فحسب، بل خسروا جزءًا من يقينهم التاريخي ومن صورتهم عن أنفسهم، كانت النكبة صدمةً حضارية كشفت حجم الفجوة بين الطموح والواقع، وأظهرت هشاشة البنى السياسية والفكرية العربية أمام مشروع أكثر تنظيمًا ووضوحًا في الرؤية والغاية، ومنذ تلك اللحظة بدأ سؤالٌ ثقيل يطارد العقل العربي: لماذا نعجز عن تحويل إمكاناتنا إلى قوة، وتطلعاتنا إلى إنجازات، وتاريخنا إلى مستقبل؟ ثم جاءت هزيمة يونيو/حزيران 1967 لتعمق الجرح وتحول الشكوك المتراكمة إلى يقينٍ صادم، ففي ستة أيام حصرا انهارت أحلام كبرى وصور ذهنية بُنيت على مدى سنوات طويلة من الخطب والتعبئة والشعارات، سقطت وعود الوحدة والتحرير والنهضة أمام واقع أكثر قسوة وتعقيدًا مما تخيله العرب، وتبددت صورة القوة التي رسمتها الأنظمة والنخب السياسية لنفسها، ولم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل كانت انهيارًا لرواية كاملة عن الذات والقدرة والمستقبل.
في تلك اللحظة اكتشف العربي الفجوة الهائلة بين الخطاب والواقع، وبين الشعارات وإمكانات الفعل الحقيقية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الشرخ بين الحلم والواقع يتسع، واتسعت معه حالة الإحباط والارتياب في المشاريع الكبرى، حتى أصبح الانفصال بين ما يُقال وما يُنجز أحد أبرز ملامح الوعي العربي المعاصر.
ومع مرور الزمن، لم تعد آثار الإخفاق العربي مقتصرة على ساحات الحروب أو نتائج المواجهات العسكرية، بل امتدت إلى بنية الدولة والمجتمع ومجمل المشروع الحضاري العربي، فالعديد من الأنظمة التي رفعت شعارات التحرر والتنمية والعدالة انتهت، في كثير من الحالات، إلى أنماط من الحكم السلطوي أو الأمني، أو إلى دول عاجزة عن تلبية تطلعات شعوبها وإدارة مواردها بكفاءة، كما أن المشروع القومي الذي بشّر بالوحدة والتكامل انتهى إلى مزيد من الانقسامات والصراعات البينية، فيما أخفقت قطاعات واسعة من النخب السياسية والفكرية في تحويل شعارات التحديث إلى مؤسسات منتجة واقتصادات تنافسية ومجتمعات قائمة على المعرفة والابتكار.
وفي الوقت الذي كانت فيه أمم أخرى، خرج بعضها من حروب مدمرة أو ظروف أكثر قسوة، تبني أسس نهضتها وتتحول إلى قوى اقتصادية وعلمية مؤثرة، كانت أجزاء واسعة من العالم العربي تدور في حلقات متكررة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومع تراكم هذه الإخفاقات، تراجعت قدرة العديد من الدول العربية على التأثير في محيطها الإقليمي وفي موازين القوة الدولية، واتسعت الفجوة بين ما تملكه من إمكانات وما تستطيع تحويله إلى إنجازات حقيقية.
هنا تحديداً يكمن سر الجاذبية التي مارستها الأنظمة الإيدلوجية وعلى رأسها إيران على قطاعات واسعة من العقل العربي، فطهران لم تتفوق على العرب بحضاراتها، بل انتصرت على فراغهم، لم تدخل إلى الوعي العربي من باب التفوق والتقدم السياسي أو الاقتصادي أو العلمي، بل من باب الألم والإحباط والخيبة التاريخية، لقد استوعب نظام ولاية الفقيه ما لم تفهمه كثير من النخب العربية: أن الإنسان المكسور لا يبحث أولاً عن الحقيقة، بل يبحث عن العزاء، وأن الأمة المثقلة بالهزائم لا تتبع العقلانية بقدر ما تبحث عن رمز ولو كان وهما يعيد إليها الشعور بالكرامة المفقودة.
ولهذا لم يكن الخطاب الإيراني موجهاً إلى العقل بقدر ما كان موجهاً إلى الذاكرة الجريحة، لقد خاطب فلسطين التي تسكن الوجدان العربي، وتماهى مع الشعارات الإيدلوجية القومية والدينية التي لم تغادر الوعي الجمعي، وخاطب الإحساس العميق بالعجز أمام إسرائيل والولايات المتحدة والغرب، لقد قدم نفسه باعتباره الإجابة التي فشل العرب في العثور عليها داخل أنفسهم، لم يقل للعرب إنه يسعى إلى النفوذ الإقليمي، بل قال لهم إنه يقاتل أعداءهم، ولم يقل لهم إنه يبني مشروعاً قومياً فارسياً جديداً، بل قال إنه يحمل راية المستضعفين والمظلومين في الأرض.
إشكالية العصاب الجماعي العربي كانت أعمق من أن تسمح بكثير من الأسئلة، فالأمم المنكسرة غالباً ما تقع في حب من يمنحها أملاً، حتى لو كان هذا الأمل مزيفا، ولهذا تحولت إيران في المخيلة السياسية لبعض العرب إلى أكثر من دولة؛ أصبحت رمزاً للتحدي ذاته، وأصبح انتقادها لدى البعض أقرب إلى المساس بفكرة المقاومة نفسها، وهكذا اختلطت الحقائق بالرغبات، واختلطت المصالح بالشعارات، وتحولت السياسة إلى عقيدة يصعب إخضاعها للنقد والمراجعة.
غير أن التاريخ يملك قسوته الخاصة، فهو يمنح الأوهام وقتاً طويلاً للنمو، لكنه لا يسمح لها بالبقاء إلى الأبد، ومع مرور الزمن الى اللحظة الراهنة بدأت الفجوة تكبر بين الخطاب والواقع، فالمشروع الذي تحدث باسم القدس تمدد نفوذه في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء أكثر مما تمدد في فلسطين، والشعارات التي رفعت عنوان مواجهة إسرائيل تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات لتبرير صراعات داخل المجتمعات العربية نفسها واستهداف العواصم العربية في دول الخليج والأردن بالصواريخ، والمسيرات، والقتل، والدمار.
وهنا بدأت الأسئلة المؤجلة بالظهور من جديد.
هل كانت إيران حقاً تعالج أسباب الهزيمة العربية، أم أنها كانت تستثمر فيها؟ هل تسعى إلى استعادة القوة العربية، أم إلى ملء الفراغ الذي تركه انهيارها؟ هل كانت تقدم مشروعاً للتحرير، أم مشروعاً للنفوذ؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بإيران وحدها، بل تتعلق بمنظومة العقل العربي نفسه، فالمشكلة الكبرى لم تكن في قدرة طهران على تسويق سرديتها، بل في استعداد جزء من العرب لتصديقها دون مساءلة، لقد كان العصاب الجماعي بليغا إلى درجة أن كثيرين فضلوا الحلم على الحقيقة، والسراب على الواقع، والشعار على النتيجة.
إن الحرب الدائرة اليوم لا تكشف فقط حدود القوة الإيرانية أو الإسرائيلية في الشرق الاوسط، بل تكشف أيضاً حدود الوهم الذي عاشته المنطقة لعقود طويلة، فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يرفع شعار المواجهة والتمدد والنفوذ أكثر، بل من يملك مشروعاً حقيقياً للخروج من دائرة الهزيمة والانكسار وبناء نموذج حضاري انساني، فالشعارات لا تبني الدول، والغضب والانتقام لا يصنعان النهضة، والذاكرة وحدها لا تكتب المستقبل.
لقد لعبت إيران على الجرح العربي المفتوح، واستثمرت في الإحساس الجماعي بالهزيمة والخذلان، لكنها لم تصنع هذا الجرح، الجرح أقدم منها وأعمق منها، إنه جرح أمة لم تحسم بعد علاقتها بماضيها، ولم تنجح في بناء مشروعها للمستقبل، ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه اللحظة الراهنة ليس: ماذا فعلت إيران بالعرب؟ بل ماذا فعل العرب بأنفسهم حتى أصبحوا يبحثون عن خلاصهم في مشاريع الآخرين؟ فالأمم لا تُهزم حين تخسر معركةً أو تتعثر عند منعطف من منعطفات التاريخ، بل تُهزم حين تفقد قدرتها على مراجعة أوهامها، ونقد مسلّماتها، وتشخيص عللها النفسية ومعالجة عصابها الجمعي، وتبدأ الهزيمة الحقيقية عندما تتحول من واقعة عابرة إلى بنية راسخة في الوعي، ومن جرح مؤقت إلى ثقافة دائمة.
وحين يصبح انتظار المنقذ والتعلق بعودة المخلّص بديلاً عن بناء الذات، وصناعة النموذج، ومراكمة أسباب النهوض، فإن الخطر لا يعود كامنًا خلف الحدود أو متربصًا في الخارج، بل يستقر في بنية العقل ذاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك