جاءت الخطوة السامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله ورعاه - بتمكين المرأة من دخول قاعات مجلس الشورى باختيار 11 عضوة يمثلن 11 محافظة في الدورة القادمة، والخطوة تمضي نحو كسر الجمود في انتخاب المرأة لعضوية مجلس الشورى الذي يتكون من أكثر من 82 عضواً يمثلون 63 ولاية عُمانية، بعضها يمثله عضوان لزيادة عدد سكانها عن 30 ألف نسمة، الأمر الذي يتطلب النظر إلى هذه الخطوة من جلالته باعتبارها تحفيزاً للمجتمع، وخاصة النساء، على اختيار المرأة لعضوية المجلس، وإحداث تمثيل لما يربو على 49% من السكان من النساء، وتحقيق قدر أكبر من التوازن في التمثيل المجتمعي.
بلا شك أن المرأة العُمانية تحظى باهتمام كبير على المستوى الرسمي، تمثل في تمكينها من سبر أغوار كافة مؤسسات الدولة على اختلافها، حتى العسكرية منها، وعلى كافة المستويات الإدارية، وصولاً إلى وزيراتٍ في الحكومة وسفيراتٍ يمثلن الدولة في مختلف دول العالم، وعضواتٍ في مجلس الدولة كأحد ركنَيْ مجلس عُمان للمشاركة في صياغة الأطر والتشريعات في الدولة، فضلاً عن التمثيل في اللجان والمجالس المختلفة.
وتعكس المؤشرات الرسمية الخاصة بالمشاركة السياسية للمرأة في سلطنة عُمان استمرار حضورها في مواقع صنع القرار والتمثيل العام، حيث ارتفع عدد عضوات مجلس عُمان إلى 18 عضوة في عامي 2023 و2024 مقارنة بـ17 عضوة خلال الأعوام السابقة؛ أي ما نسبته نحو 21% من أعضاء المجلس البالغ عددهم 86 عضواً.
كما تشغل المرأة حوالي 9% من المناصب الوزارية بواقع وزيرتين من أصل 23 وزيراً، إلى جانب تمثيل دبلوماسي يضم 7 سفيرات يشكلن نحو 11% من إجمالي السفراء.
وفي المجالس البلدية، تشغل المرأة مقعداً واحداً يمثل نحو 1% من إجمالي الأعضاء، وهو ما يعكس التقدم الذي حققته المرأة العُمانية في مجال المشاركة السياسية وتولي المناصب القيادية، وإن كانت المؤشرات لا تزال تكشف عن وجود مساحة أوسع لتعزيز حضورها وتمثيلها في المؤسسات المنتخبة ومواقع صنع القرار المختلفة.
وتؤكد المؤشرات الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بأن المشاركة المجتمعية للمرأة العُمانية للقيام بأدوار أكبر في الحياة العامة، حيث ارتفع عدد العضوات في جمعيات المرأة العُمانية من 8,735 عضوة عام 2020 إلى 13,570 عضوة عام 2024 عبر 68 جمعية منتشرة في مختلف المحافظات.
ويعكس هذا الحضور المتنامي خبرات متراكمة في العمل المجتمعي والتطوعي والقيادي، الأمر الذي يتطلب توظيفها في مشاركتها في مجلس الشورى وتمثيلها لقضايا المجتمع والتنمية في مختلف المحافظات.
وتعكس أيضا الثقة التي أولتها الدولة للكفاءات النسائية والاستفادة من خبراتها في العمل التشريعي والفكري والاقتصادي والاجتماعي.
وقد أثبتت المرأة خلال العقود الماضية قدرتها على تولي مختلف المناصب القيادية والتنفيذية والدبلوماسية، الأمر الذي يجعل حضورها في المؤسسات التشريعية امتداداً طبيعياً لمسيرة التمكين التي شهدتها البلاد.
في حين أن مجلس الشورى في الفترة التاسعة من 2019 إلى 2023 شهد فوز عضوتين فقط من بين 40 مرشحة، بينما خلت الفترة الحالية من أي تمثيل نسائي منتخب، رغم النجاحات الكبيرة التي حققتها المرأة في مختلف القطاعات الحكومية والاقتصادية والاجتماعية.
ويطرح الواقع الانتخابي الذي عاشته المرأة خلال العقود الماضية سؤالاً مهماً، وهو ليس ما إذا كانت قادرة على أداء دورها تحت قبة المجلس، فذلك أثبتته تجاربها في مواقع قيادية وتشريعية وتنفيذية عديدة؟ وإنما لماذا ظل المجتمع متردداً في منحها الفرصة ذاتها التي منحها للرجل، رغم كل ما حققته من نجاحات وإنجازات في مختلف القطاعات؟
الدولة والقيادة، بالأحرى، تركتا الانتخابات لعضوية مجلس الشورى والبلدي وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني لآليات الانتخابات للمواطنين الذين يحق لهم الانتخاب والترشح لاختيار الأنسب دون تدخل، على أساس إتاحة الفرصة للمجتمع لاختيار من يمثله في مجالس النيابة، سواء من الرجال أو النساء، دون أي قيود تُذكر على من يترشح، ووفق الشروط والضوابط المنظمة للانتخابات كغيرها من الدول كالعمر والأهلية وغيرها.
إلا أن المجتمع، أو العنصر النسائي بالتحديد باعتباره يمثل نصف السكان، لم يتواكب مع هذه الخطوات التمكينية والمتاحة من الدولة بعد، ولم يفرض نفسه كجزء من عملية التحول التي تعيشها البلاد في جانب المشاركة السياسية، بل لم يقاوم التحديات الاجتماعية التي تحد من مشاركتها وتقلص الفارق مع الرجال في المجتمع.
ناهيك عن أن التفكير الأبوي أو الذكوري الذي ما زال طاغياً على الكثير من التوجهات الاجتماعية.
ولا يمكن إغفال أن بعض النساء أنفسهن ما زلن يترددن في دعم المرشحات أو التصويت لهن، الأمر الذي أسهم هو الآخر في محدودية فرص الفوز، رغم ما تمتلكه الكثير من المرشحات من خبرات ومؤهلات وقدرات تؤهلهن لتمثيل المجتمع تحت قبة المجلس.
كل هذه العوامل وغيرها جعلت المرأة تنزوي عن الوصول إلى قبة مجلس الشورى، ورغم المحاولات التي قامت بها في أكثر من محافظة وولاية للترشح، وحتى من بعض القيادات النسائية اللاتي راهنَّ على الفوز في محافظات رئيسية كمسقط وولاية بوشر على وجه التحديد، إلا أن كل ذلك لم يشفع لهن في إقناع المجتمع والنساء تحديداً بقدراتهن.
كما أن التجارب الدولية أثبتت أن تمثيل المرأة في المجالس التشريعية لا يرتبط فقط بمبدأ المساواة، وإنما يسهم في إثراء النقاشات المتعلقة بالتعليم والصحة والأسرة والشباب والاقتصاد والتنمية المحلية، ويضيف رؤى متنوعة تساعد على صياغة تشريعات وسياسات أكثر شمولية تعبر عن مختلف فئات المجتمع.
ولذلك اتجهت العديد من الدول إلى اعتماد آليات مختلفة لتعزيز مشاركة المرأة في البرلمانات والمجالس المنتخبة حتى تغدو المنافسة الانتخابية أكثر توازناً وعدالة.
وعلى ضوء هذه التحديات التي تواجه المرأة في الوصول إلى قبة مجلس الشورى، جاءت التوجيهات السامية لجلالة السلطان المعظم باتخاذ خطوة محفزة، وهي بمثابة رميِ حجرٍ في المياه الراكدة، حيث تعاني المرأة من صعوبة إقناع المجتمع وإثبات دورها الاجتماعي والسياسي في البلاد والمشاركة في صنع القرار.
وإذا أخذنا في الاعتبار أنها الأقرب للأطفال منذ الولادة وحتى مراحل عمرية متقدمة بحكم مسؤولياتها الأسرية والاجتماعية، فإن صوتها وتمثيلها في المجالس المنتخبة يبقى مهماً ومكملاً لدور الرجل.
وهذه الخطوة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها مرحلة تحفيزية تهدف إلى ترسيخ حضور المرأة في العمل البرلماني وإبراز نماذج نسائية ناجحة داخل المجلس، يمكن أن تسهم في تغيير بعض القناعات الاجتماعية السائدة، وتشجع المزيد من النساء على خوض التجربة الانتخابية مستقبلاً بثقة أكبر من ذي قبل، كما تشجع الناخبين على منح المرأة فرصة أكبر لإثبات كفاءتها في العمل التشريعي والرقابي.
فهذا التوجه السامي إذن سوف يتيح، بحول الله، ضمان وجود 11 عضوةً يمثلن المحافظات المختلفة، مع احتمال مضاعفة هذا العدد إذا فازت المزيد منهن في الانتخابات المفتوحة، الأمر الذي سيمنح المرأة حضوراً غير مسبوق داخل مجلس الشورى، وفرصة أكبر للمشاركة في مناقشة القوانين والخطط التنموية والقضايا المجتمعية، فضلا عن أنه سيعزز من مبدأ التوازن في تمثيل المجتمع داخل المجلس، خاصة وأنها تشارك اليوم بفاعلية في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.
وإذا كانت هذه الخطوة قد ضمنت حضور المرأة في مجلس الشورى ابتداءً من الدورة القادمة، فإن التحدي الحقيقي يبقى في أن يتحول هذا الحضور مع مرور الوقت إلى قناعة مجتمعية راسخة بأن الكفاءة والقدرة على خدمة الوطن لا ترتبط بجنس المرشح بقدر ما ترتبط بما يملكه من رؤية وخبرة وقدرة على العطاء.
وعندما يصل المجتمع إلى هذه القناعة، ستكون المرأة قد حققت أكبر انتصار لها، وسيكون الوطن هو المستفيد الأول.
وبالطبع فإن هذه الخطوة في منح عضوية مجلس الشورى جاءت امتداداً لجهود متواصلة على مدى العقود الماضية لتمكينها، بدءاً من التعليم والعمل والمشاركة في مواقع صنع القرار، وصولاً إلى تعزيز حضورها في المؤسسات التشريعية.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم معقوداً على قدرة المجتمع والمرأة معاً على استثمار هذه الفرصة وتحويلها إلى نقطة انطلاق نحو مشاركة سياسية أوسع وأكثر تأثيراً في المستقبل.
نأمل أن تسهم هذه الخطوة مع مرور الوقت في تغيير بعض القناعات المجتمعية تجاه المشاركة السياسية للمرأة، وأن تدفع المزيد من الناخبين والناخبات إلى اختيارها عبر صناديق الاقتراع، بحيث يصبح حضورها في المجلس مستقبلاً نابعاً من قناعة المجتمع بكفاءتها وقدرتها على تمثيله والدفاع عن مصالحه، وهي بالفعل قادرة على ذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك