للتاريخ رجال يحملون على عواتقهم أمانة الحقيقة، ويفنون أعمارهم في استنطاق الوثائق، وتحليل النصوص، وتقديم قراءة واعية تعيد للماضي ألقه وللحاضر عمقه وبصيرته.
ولعل الدكتور محمد مؤنس عوض المفكر والمؤرخ البارز، يتربع على صدارة هذه القامات الفكرية التي أثرت المكتبة العربية والعالمية بدراساتها الرصينة عن الحروب الصليبية، ولقد نذر هذا المؤرخ الكبير مسيرته الأكاديمية الطويلة التي انطلقت من محراب جامعة عين شمس وصولاً إلى مختلف الجامعات والمحافل العربية، مُتخذًا من العصور الوسطى، تحديدا حقبة الحروب الصليبية، ميدانا لصولاته وجولاته العلمية، ولم يكتفِ الدكتور محمد مؤنس عوض بالسرد التقليدي للأحداث، ولكن غاص في أعماق المصادر الأصلية ليقدم فهما مقارنا يزيح غبار التعصب، ويضع الأحداث في سياقها الموضوعي العادل.
إن المتأمل في الإنتاج الغزير للدكتور محمد مؤنس عوض، بوضوح سمات المؤرخ الموسوعي الذي يتصف بالموضوعية والحيادية والإيجابية، كما وثق لسير من سبقوه من المؤرخين، مشروعه يتجاوز حدود تدوين الوقائع، ليصل إلى مشهد صناعة التاريخ بعين المفكر الناقد والمحلل البصير، وتتجلى عبقرية فكره في قدرته الفريدة على استنطاق الوثائق الغربية وتحليلها بعين الباحث العربي المسلم، مما خلق توازنا مطلوبا في دراسة تاريخ تلك الحقبة الحساسة.
لقد كسر الدكتور مؤنس عوض احتكار الرواية الأحادية، وجعل من كتاباته جسرًا معرفيًا متينًا يربط بين الأجيال، ومرجعًا لا غنى عنه لكل باحث ودارس.
ولد الدكتور محمد مؤنس عوض يوم الخامس من أكتوبر عام ١٩٥٦م بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، وحصل على درجة الليسانس من كلية الآداب جامعة عين شمس عام ١٩٧٨م، ثم نال درجة الماجستير عام ١٩٨٤م عن أطروحته" التنظيمات الدينية الإسلامية والمسيحية في بلاد الشام عصر الحروب الصليبية"، ونال درجة الدكتوراه في التاريخ الوسيط بمرتبة الشرف من جامعة عين شمس عام ١٩٨٨م عن أطروحته" السياسة الخارجية للدولة النورية".
بدأت مسيرته معيدا في قسم التاريخ بـجامعة عين شمس، وتدرج في السلك الأكاديمي حتى أصبح أستاذًا، كما انتقل للتدريس في قسم التاريخ والحضارة الإسلامية بـجامعة الشارقة، وهو عضو في العديد من الهيئات العلمية، مثل الجمعية التاريخية المصرية، اتحاد المؤرخين العرب، والجمعية الجغرافية المصرية.
أثرى الدكتور محمد مؤنس عوض المكتبة العربية بأكثر من ١٣٦ مؤلفا إلى جانب عشرات الأبحاث المتخصصة في التاريخ المقارن والحروب الصليبية، ومن أبرز مؤلفاته:- كتاب" معجم أعلام عصر الحروب الصليبية في الشرق والغرب": وهو عمل مرجعي موسوعي يضم أبرز الشخصيات المؤثرة في تلك الحقبة التاريخية.
- كتاب" الحروب الصليبية السياسة - المياه - العقيدة": ويدور هذا الكتاب حول دراسة تحلل الأبعاد المختلفة للصراع.
- كتاب" الحروب الصليبية: دراسات في التاريخ المقارن": ويستعرض مقارنة تفصيلية بين الشخصيات التاريخية مثل صلاح الدين الأيوبي وبلدوين الأول.
- كتاب" مهمشون من عصر الحروب الصليبية": وفي هذا الكتاب يُسلط الضوء على فئات وتفاصيل غير شائعة في القرن الثاني عشر الميلادي ببلاد الشام.
كتاب" الرحالة الأوروبيون في مملكة بيت المقدس الصليبية 1099- 1187م": ويحلل كتابات الرحالة الغربيين في تلك الفترة.
- كتاب" الجغرافيون والرحالة المسلمون في بلاد الشام زمن الحروب الصليبية": ويُقدم هذا الكتاب رؤية إسلامية وثائقية جغرافية لأحداث الصراع.
- كتاب" الإمبراطورية البيزنطية.
دراسة في تاريخ الأسر الحاكمة: وهو مرجع شامل يسرد تاريخ القسطنطينية وتسلسل الأباطرة.
- كتاب" الأتراك العثمانيون.
تاريخهم وحضارتهم": وهو يوثق في هذا الكتاب المسار التاريخي والحضاري للدولة العثمانية.
- كتاب" المماليك في مصر والشام": وهو استعراض لأهم ملامح حقبة دولة المماليك.
-" كتاب مؤرخون إماراتيون": وهو نماذج مختارة عن دراسة توثق مسيرة أبرز المؤرخين في دولة الإمارات.
- كتاب" الشارقة تلك الإمارة الفريدة": قراءة تحليلية في تاريخ وتطور الإمارة.
ثالثاً - فلسفة التاريخ عند الدكتور محمد مؤنس عوضتتمحور فلسفة التاريخ عنده علي النحو التالي١- تتسم فلسفته التاريخية بنظرة شمولية، فالتاريخ ليس سردا لأحداث الوقائع، ولكن التاريخ تجربة إنسانية حية تهدف إلى استخلاص الدروس والعبر التي نستفاد منها في واقعنا المعاصر.
٢- يتبنى منهجًا تفسيرًا يعتمد على دراسة الأحداث والظواهر كأسباب الحروب، التنظيمات الحربية، ودوافع القادة من زاويتين متقابلتين في نفس الوقت الشرق اي العالم الإسلامي والغرب اي أوروبا اللاتينية؛ لفهم الصورة الكاملة للصراع وتأثيراته.
٣- يبرز في فلسفته أن الحروب الصليبية لم تكن مجرد دمار وقتال، ولكن كانت وسيلة غير مباشرة لنقل معارف وعلوم الشرق إلى الغرب الأوروبي، مما ساهم في تشكيل ملامح عصر النهضة الأوروبية لاحقا.
٤- لا يقتصر في تحليله على الساسة والملوك فقط، ولكن يبحر في أعماق التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والديني، ويدرس الظواهر اليومية كتأثير البيئة على الصراع مثل الزلازل وإغارات الجراد ودور الرحالة والحجاج.
٥- يحلل الدوافع التي أدت إلى اندلاع الحروب الصليبية بطريقة نقدية، مُبينًا أنها لم تكن دوافع دينية بحتة كما روّجت لها الكنيسة، ولكن تداخلت معها دوافع سياسية، واقتصادية، وتوسعية خططت لها القوى الإقطاعية في أوروبا.
٦- هو يتبنى منهج يبرز إسهامات الأمة الإسلامية في العصور الوسطى وفضلها على الحضارات الإنسانية، ولديه طريقته الخاصة في تدوين الأحداث التاريخية، مؤكدا على أن التاريخ الإسلامي هو حلقة وصل هامة في مسيرة تاريخ الحضارة الإنسانية.
النهاية الدكتور محمد مؤنس عوض هو قلم شق عباب التاريخ فاستجلى غوامضه، وعقل مفكر استلهم من العصور الوسطى دروسًا وعبر، ليسطر بحروف من نور إرثا فكريا يربط ماضي الأمة بحاضرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك