في خيمة نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في قطاع غزة، تجلس الطالبة الفلسطينية التي اختارت لنفسها اسما مستعارا “شمس”، وأمامها جهازها المحمول لتستعد لأولى اختبارات الثانوية العامة لهذا العام.
ولم يكن الاختبار فقط هو ما يشغل عقل شمس، فكان عقلها مشوش بسبب أصوات القصف وطائرات الاحتلال الإسرائيلي التي تحلق في سماء غزة.
تتوقف شمس عند كل سؤال، لتجد الخوف يسيطر على تركيزها، فهي ليست قادرة على التفكير في الإجابة، ثم تعد لتتذكر أن هذا الاختبار سيكون عاملًا مهمًا في رسم مستقبلها، لتبدأ مرة أخرى في التفكير في إجابة السؤال.
ولا يقتصر هذا الموقف على شمس فقط، حيث يواجه آلاف الطلاب في قطاع غزة هذه المعاناة، حاملين على أكتافهم مسؤولية الامتحانات والخوف والتوتر المستمران بسبب القصف الإسرائيلي.
وللعام الثالث على التوالي، يتقدم طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة لامتحاناتهم إلكترونيًا، بعد أن دمرت الحرب الإسرائيلية معظم المدارس، في حين تحولت المدارس المتبقية إلى مراكز إيواء تؤوي آلاف النازحين الذين فقدوا منازلهم.
عدد طلاب الثانوية العامة في غزةويشارك في امتحانات الثانوية العامة هذا العام، 91.
138 طالبًا وطالبة، يتوزعون بين 51.
499 طالبًا في الضفة الغربية، و37.
698 داخل قطاع غزة، إلى جانب 1.
941 طالبًا من أبناء القطاع المتواجدين حاليًا في 46 دولة حول العالم، وفقًا للمركز الفلسطيني للإعلام.
وتتنوع تخصصات المتقدمين بين الفروع الأكاديمية والمهنية، حيث يضم الفرع الأدبي العدد الأكبر بواقع 55.
751 طالبًا، يليه الفرع العلمي بـ25.
349 طالبًا، بينما يتوزع بقية الطلبة على المسارات الشرعية، والمهنية، والتقنية.
وتصف شمس، مرارة التجربة التي تخوضها هي وزملائها في امتحانات الثانوية العامة تحت وطأة الحرب، حيث تلازمهم مشاعر التوتر والخوف والقلق الدائم وسط القصف والغارات المستمرة.
وتستذكر شمس، لحظات قاسية عاشتها أثناء تقديمها للامتحان، قائلة لـ" تليجراف مصر": " كان هناك تحليق مكثف ومنخفض جدًا لطائرات الاحتلال الحربية، والتي أصدرت أصواتًا مرعبة ومزعجة للغاية، وهذا بث في نفسي رعبًا شديدًا وتوترًا كبيرًا عجزت الكلمات عن وصفه، فمن الصعب جدًا التركيز في ورقة الاختبار، بينما تشعر أن الخوف يحلق فوق رأسك".
ورغم هذه الظروف القاسية، تمسك شمس بخيوط الأمل والعزيمة مستمدةً قوتها من رغبتها في تحقيق حلمها وإسعاد قلب والدتها.
وتتابع حديثها بنبرة تملؤها الإرادة: " ما يمدني بالقوة والأمل لمواصلة هذه المعركة التعليمية هو طموحي الكبير، ورغبتي الصادقة في أن أرى علامات الفرح والفخر على وجه أمي، وأن أرفع رأسها عاليًا.
لن أستسلم، وسأحارب لأجل مستقبلي، فكل أمنيتي أن أتجاوز هذه الصعاب لأصبح صيدلانية في المستقبل إن شاء الله، وأساهم في مداواة جراح أبناء شعبي".
يعود محمد، الذي اجتاز مرحلة الثانوية العامة العام الماضي في قطاع غزة، بذاكرته إلى الوراء ليرسم ملامح أزمة صامتة عاشها ويعيشها الطلاب في هذا العام، حيث فرض التعليم الإلكتروني عزلة قسرية وجعل التواصل مع المعلمين والزملاء غير مباشر.
" لقد حرمنا من أبسط حقوقنا"ويقول محمد لـ" تليجراف مصر": " لقد حُرمنا حتى من أبسط حقوقنا الإنسانية في هذه المرحلة، حقنا في تكوين صداقات حقيقية وعلاقات مباشرة مع زملائنا على مقاعد الدراسة، غياب هذا التواصل المباشر حرمنا من شيء مهم، فوجود الأصدقاء حولك هو ما يهون الصعاب، ويمدك بالإرادة والعزيمة ويشجعك على المواصلة، لكننا خضنا هذه الرحلة الشاقة بمفردنا خلف الشاشات".
وتمتد المعاناة لتسلب طلبة هذا العام، الحق في الحياة والأمان حتى في لحظات بحثهم عن مأوى للدراسة، حيث يتحدث محمد عن مجزرة وقعت في حي الرمال بمدينة غزة، قائلًا: " شنت طائرات الاحتلال عدة استهدافات دموية في حي الرمال، طالت كافيهات كان يتجمع فيها طلبة التوجيهي هربًا من بيوتهم المدمرة بحثًا عن إنترنت أو مساحة لتقديم امتحاناتهم، والنتيجة كانت فاجعة، استشهدت طالبة ثانوية عامة، كانت هي وحيدة أهلها، لتتحول أحلامها في لحظة إلى ركام".
ظروف تشتت الانتباه بدرجة كبيرةقال استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، الدكتور أحمد علام، إن هذه الظروف من شأنها أن تشتت الانتباه بدرجة كبيرة، وتحمل في طياتها جزءا كبيرًا من مظاهر الخوف، والقلق، والتوتر، مضيفًأ: " نحن دائمًا نقول للطلاب إنه يجب أن يكون لدينا طمأنينة وثقة بالنفس، وألا يكون هناك خوف أو توتر أو قلق، وبناءً على ذلك، فإن هذه الظروف التي يعيشونها هي ظروف قهرية وصعبة.
"وأكد علام لـ" تليجراف مصر" أن الدور هنا يقع على عاتق أولياء الأمور في أن يحاولوا إبعادهم عن مثل هذه الأمور، أي أن يحاولوا طمأنتهم، ومنحهم أكبر قدر من الثقة، وجعلهم ينعزلون نوعًا ما فكريًا عن مثل هذه الأجواء.
وأكد أنه لا بد من مراعاة هذا الأمر في التصحيح، وكذلك في وضع الامتحانات، قائلًأ: " نحن هنا نتحدث بشكل أكبر عن الأشخاص الذين يضعون الامتحانات هناك، بأن يراعوا هذا الأمر، وأن تكون الامتحانات في متناول الطالب، لن أقول المتوسط بل دون المتوسط أيضًا وليس فوق المتوسط، ليكون مجرد اختبار لقدراتهم فقط، لكي لا نحملهم فوق طاقتهم، وبالمثل في التصحيح، إذا كان هناك سؤال ما أو مادة معينة واجهوا فيها مشكلات كثيرة، فهنا يجب إعادة توزيع الدرجات بطريقة أخرى ومراعاة هذا الأمر".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك