المحامي د، علي سليم الحمورييشهد العالم تحولًا متسارعًا نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها أحد أبرز محركات الاقتصاد الرقمي والابتكار التكنولوجي، غير أن هذا التوسع غير المسبوق كشف عن جانب آخر أقل ظهورًا، يتمثل في التكلفة البيئية المتزايدة لمراكز البيانات العملاقة التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فلم تعد هذه التقنية مجرد أداة رقمية محايدة، بل أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باستهلاك الطاقة والمياه والأراضي، والانبعاثات الكربونية الناتجة عن تشغيل البنية التحتية الرقمية، وفي ظل تنامي المخاوف المناخية العالمية، بدأ يتشكل نقاش قانوني جديد حول حدود المسؤولية البيئية للشركات الرقمية، ومدى إمكانية إخضاعها لمتطلبات الشفافية والمساءلة المناخية.
وخلال فعاليات أسبوع العمل المناخي 2026 المنعقد حاليًا في لندن، طرح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، خطةً طموحة للتحول إلى الطاقة النظيفة، مؤكدًا ضرورة تسريع الانتقال العادل نحو مصادر الطاقة المتجددة لمواجهة تحديات تغير المناخ، وضمن هذه الخطة، دعا إلى إلزام شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى بقياس ونشر الأثر البيئي الكامل لمراكز بياناتها، بما يشمل بصمتها الكربونية، وما يرتبط بها من استهلاك للمياه والأراضي والطاقة، والالتزام بتزويد هذه المراكز بالطاقة المتجددة بحلول عام 2030.
وتظهر هذه الدعوة تحولًا مهمًا في الخطاب الدُّوَليّ؛ إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه باعتباره مجرد قطاع تكنولوجي، بل أصبح جزءًا من معادلة الطاقة والمناخ والتنمية المستدامة، فكلما توسع استخدام النماذج الرقمية ومراكز البيانات، ارتفع الطلب على الكهرباء والمياه، وتزايدت الحاجة إلى موارد طبيعية إضافية لتشغيل البنية التحتية الرقمية.
وتتضح خطورة هذه المسألة بصورة أكبر عندما لا يقتصر الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي على الانبعاثات الكربونية، بل يمتد إلى استهلاك المياه، فقد أشار غوتيريش إلى أنه بحلول عام 2030 قد تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كمية من المياه تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية لجميع سكان أفريقيا جنوب الصحراء، البالغ عددهم نحو 1، 3 مليار نسمة، لمدة عام كامل، وهذه التقديرات لا تكشف فقط عن حجم الاستهلاك المائي المتوقع، بل تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية تتعلق بالحق في المياه، والعدالة في توزيع الموارد الطبيعية، وأولوية الاحتياجات الإنسانية الأساسية في مواجهة الاستخدامات التجارية والتكنولوجية.
ومن ثم، فإن البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تُفهم بمعزل عن الأثر البيئي الأوسع لمراكز البيانات، فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم الانبعاثات، بل بنمط متكامل من استهلاك الموارد الطبيعية، يجري في كثير من الأحيان بعيدًا عن الرقابة المجتمعية أو الإفصاح الكافي، فالخدمات الرقمية التي تبدو غير مادية للمستخدم النهائي تعتمد في الواقع على منشآت مادية ضخمة تستهلك موارد هائلة وتترك آثارًا بيئية متزايدة،ومن منظور القانون الدُّوَليّ البيئي، تثير هذه التطورات سؤالًا جوهريًا: هل يمكن أن تصبح شركات الذكاء الاصطناعي مستقبلًا جزءًا من منظومة المساءلة المناخية العالمية؟في الوقت الراهن، لا يوجد التزام قانوني دُوَليّ مباشر يفرض على شركات الذكاء الاصطناعي أو شركات التكنولوجيا الكبرى المساهمة في صندوق الخسائر والأضرار أو تحمل مسؤولية دولية مباشرة عن آثار تغير المناخ، فالقانون الدُّوَليّ للمناخ ما زال يوجه التزاماته الأساسية إلى الدول، غير أن هذا الواقع لا يمنع تطور أشكال جديدة من المساءلة غير المباشرة بواسطة التشريعات الوطنية، أو الضرائب الكربونية، أو متطلبات الإفصاح البيئي الإلزامي، أو قواعد العناية الواجبة البيئية.
ثم أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول تجاه تغير المناخ، وإن كان لا يخاطب الشركات الخاصة مباشرة، قد يعزز واجب الدول في تنظيم الأنشطة الاقتصادية ذات الأثر البيئي والمناخي الكبير، ومن ثم، قد تجد الدول نفسها مطالبة بتطوير أطر تنظيمية أكثر صرامة تجاه القطاعات الرقمية كثيفة الاستهلاك للطاقة والمياه.
وفي هذا السياق، تمثل البصمة الكربونية نقطة البداية لأي نظام للمساءلة البيئية، فقبل الحديث عن الضرائب أو التعويضات أو الالتزامات المالية، يجب أولًا قياس الأثر البيئي والإفصاح عنه بصورة دقيقة وقابلة للتحقق، ومن هنا تأتي أهمية الدعوة الأممية إلى الشفافية البيئية، باعتبارها خطوة تأسيسية نحو بناء منظومة حوكمة بيئية للقطاع الرقمي.
ويستند هذا التوجه إلى مبادئ راسخة في القانون البيئي الدُّوَليّ، وفي مقدمتها مبدأ" الملوث يدفع”، الذي يقضي بأن يتحمل المتسبب في التلوث أو الضرر البيئي تكلفة معالجته أو الحد من آثاره، ورغم أن هذا المبدأ طُبق تاريخيًا على قطاعات الصناعة والطاقة والنقل، فإن التوسع الهائل للقطاع الرقمي يثير تساؤلات مشروعة حول إمكانية تطبيقه مستقبلًا على الأنشطة الرقمية ذات البصمة البيئية المرتفعة.
كما يرتبط الأمر بمبدأ الوقاية، الذي يفرض اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب الضرر البيئي قبل وقوعه، لا بعد حدوثه، فإذا كانت المؤشرات الحالية تدل على أن مراكز البيانات ستصبح من أكبر مستهلكي الطاقة والمياه خلال السنوات المقبلة، فإن التنظيم المسبق والإفصاح البيئي لم يعودا خيارًا سياسيًا، بل ضرورة قانونية وأخلاقية،ولا ينفصل هذا النقاش عن الحق في الحصول على المعلومات البيئية، فلا يمكن للمجتمعات أو الجهات الرقابية أو الباحثين تقييم الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي إذا ظلت بيانات استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات محجوبة أو معروضة بصورة انتقائية، ومن هنا، فإن الشفافية البيئية ليست غاية في ذاتها، بل شرط سابق للمساءلة والمشاركة والرقابة.
ولا ينفصل هذا النقاش كذلك عن مفهوم الانتقال العادل الذي أكده الأمين العام للأمم المتحدة عندما دعا إلى" عدم الاستخراج دون تنمية”، مشددًا على ضرورة أن تعود فوائد التحول الطاقي على العمال والمجتمعات والدول النامية، لا أن تقتصر على الشركات والأسواق الكبرى، وينطبق المنطق ذاته على الذكاء الاصطناعي؛ إذ لا يكفي قياس الأرباح الاقتصادية التي يحققها، بل يجب النظر أيضًا إلى كيفية توزيع أعبائه البيئية والمناخية.
كما أكد غوتيريش أهمية حماية الفئات الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ من خلال تعزيز القدرة على التكيف والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والحماية المجتمعية، مشيرًا إلى أن التكيف مع تغير المناخ" ينقذ الأرواح، ويحمي المنازل والمجتمعات، ويساعد الاقتصادات على استيعاب الصدمات، ويحافظ على تماسك المجتمعات”، وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند تقييم الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، لأن الفئات الأكثر هشاشة غالبًا ما تكون الأقل استفادة من الثورة الرقمية، لكنها قد تكون الأكثر تأثرًا بآثارها البيئية والمناخية،ومن هنا يبرز مفهوم العدالة المناخية الرقمية، الذي يربط بين توزيع منافع التكنولوجيا وتوزيع أعبائها البيئية، فإذا كانت الشركات الرقمية الكبرى تحقق أرباحًا هائلة من خدمات عابرة للحدود، بينما تتحمل مجتمعات أخرى جزءًا من التكلفة البيئية المترتبة على استهلاك الطاقة والمياه أو تفاقم آثار تغير المناخ، فإن ذلك يفرض إعادة النظر في قواعد الحوكمة البيئية للقطاع الرقمي.
ومع ذلك، فإن الانتقال من الإفصاح البيئي إلى المسؤولية القانونية المباشرة لا يزال يواجه تحديات كبيرة، من أبرزها صعوبة إثبات العِلاقة السببية بين نشاط شركة معينة والأضرار المناخية العالمية، والطبيعة العابرة للحدود لمراكز البيانات، وتفاوت النظم القانونية الوطنية، إلا أن تاريخ القانون البيئي يبين أن العديد من الالتزامات التي تبدو اليوم راسخة بدأت في الأصل كمطالب أخلاقية أو سياسية قبل أن تتحول إلى قواعد قانونية ملزمة.
لذلك، فإن المطلوب ليس تقييد الابتكار أو إعاقة التطور التكنولوجي، بل ضمان توافقه مع مبادئ الاستدامة والعدالة البيئية، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة الطاقة، ورصد الانبعاثات، وإدارة الموارد الطبيعية، والتنبؤ بالكوارث البيئية، لكنه في الوقت ذاته يجب ألا يُعفى من متطلبات الشفافية والمساءلة عن آثاره البيئية.
وفي النهاية، فإن الدعوة الأممية إلى الإفصاح عن البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي لا تمثل مجرد مطلب للشفافية، بل تعكس بداية تحول في النظرة إلى الشركات الرقمية بوصفها فاعلًا مؤثرًا في الحوكمة البيئية العالمية، وبينما لا تزل المسؤولية القانونية الدولية للشركات في المجال المناخي محدودة، فإن تنامي الأثر البيئي لمراكز البيانات يفرض تطوير أطر تنظيمية أكثر فعالية تستند إلى مبادئ الوقاية والشفافية والعدالة المناخية.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي المستدام لن يُقاس فقط بقدرته على الابتكار، بل أيضًا بقدرته على التوفيق بين التقدم التكنولوجي وحماية البيئة وحقوق الأجيال الحالية والمستقبلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك