مثلت الناشطة السويدية غريتا تونبرغ إلى جانب خمسة متهمين آخرين، أمام محكمة كوبنهاغن، اليوم الأربعاء، بتهمة" الدخول غير القانوني" إلى جامعة كوبنهاغن خلال احتجاج طلابي نُظّم عام 2024، في قضية أعادت تسليط الضوء على تصاعد المواجهة بين النشاط الطلابي والسلطات القضائية في الدنمارك.
وتأتي هذه المحاكمة في سياق سياسي وأكاديمي متوتر، حيث شهدت الدنمارك خلال الأشهر الأخيرة جدلاً متصاعداً حول حدود حرية التعبير داخل الجامعات، بعد سلسلة ملاحقات قضائية طاولت طلاباً وناشطين شاركوا في تحركات مؤيدة لفلسطين داخل جامعة كوبنهاغن وخارجها.
وتحوّلت القضية، التي تضم ستة متهمين، وتستمر حتى الخميس، إلى نقطة اختبار واسعة داخل الأوساط الأكاديمية والقانونية، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت السلطات الدنماركية تتجه نحو تشديد غير مسبوق في التعامل مع الاحتجاجات الجامعية، ولا سيما تلك المرتبطة بالحرب على غزة وبملف التعاون الأكاديمي بين الجامعات الدنماركية والمؤسسات الإسرائيلية.
غريتا تونبرغ ورفاقها.
احتجاج طلابي يتحول إلى ملف جنائيتعود وقائع القضية إلى سبتمبر/أيلول 2024، حين شارك متظاهرون من حركة" طلاب ضد الاحتلال" في اعتصام داخل أحد مباني جامعة كوبنهاغن، مطالبين بوقف التعاون الأكاديمي مع جامعات إسرائيلية.
الاحتجاج، الذي وُصف بأنه سلمي في بدايته، انتهى بتدخل الشرطة واعتقال عدد من المشاركين.
ووفق ملف القضية، فإن المتهمين الستة، ومن بينهم الناشطة السويدية غريتا تونبرغ، يواجهون تهماً تتعلق بـ" الدخول غير القانوني والإقامة غير القانونية" داخل مبنى جامعي، إضافة إلى اتهامات فرعية مرتبطة بإعاقة عمل الشرطة في احتجاجات أخرى.
خلال جلسات المحكمة، أكدت تونبرغ أنها كانت موجودة في الموقع ضمن احتجاج سياسي مشروع، مشيرة إلى أنها غير مذنبة.
وقال محاميها إن موكلته" تقر بوجودها في المكان لكنها تنفي ارتكاب أي مخالفة جنائية".
وفي تصريحات قصيرة داخل المحكمة، ردّت تونبرغ على سؤال حول سبب مشاركتها في الاحتجاج بالقول: " لماذا لا؟ "، في إشارة إلى ما تعتبره حقاً في التعبير السياسي.
روايات المتهمين: " الاحتجاج كان سلمياً لكن الشرطة تدخلت بقوة"في أثناء الاستماع إلى أقوال المتهمين، أشار عدد منهم إلى أن الاحتجاج لم يكن يهدف إلى تعطيل الجامعة، بل إلى لفت الانتباه إلى سياسات التعاون الأكاديمي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
بعض المتهمين تحدثوا عن حالة" ذعر" داخل المبنى بعد وصول الشرطة، التي حضرت بمعدات ثقيلة وكلاب بوليسية، ما ساهم في تصعيد الموقف.
وقال أحد المتهمين في المحكمة إن ما جرى" كان اعتصاماً طلابياً"، مشيراً إلى أن تجارب سابقة لاحتلال مبانٍ جامعية لم تُقابل دائماً بتدخل مماثل من الشرطة.
في المقابل، أكدت الشرطة أن التدخل جاء بعد" إغلاق مدخل مبنى عام بشكل غير قانوني"، وأن عدد المشاركين كان محدوداً، وأنهم غادروا المكان لاحقاً من دون عنف واسع.
احتجاجات خارج المحكمة: تضامن واسع مع المتهمينبالتوازي مع المحاكمة، تجمع عشرات المتظاهرين أمام محكمة كوبنهاغن، حاملين الأعلام الفلسطينية، مرددين هتاف: " لستم وحدكم"، في مشهد يعكس استمرار التوتر السياسي حول الحرب على غزة داخل الفضاء العام الدنماركي، بسبب تعارض مواقف رئيسة الحكومة ميتا فريدركسن مع التيار العام المتضامن مع فلسطين.
المتظاهرون اعتبروا أن القضية لا تتعلق فقط بإجراءات قانونية، بل بـ" تجريم التضامن السياسي"، فيما ربطت حركة" طلاب ضد الاحتلال" القضية بمطالب أوسع تتعلق بمقاطعة التعاون الأكاديمي مع جامعات الاحتلال الإسرائيلي.
تدخل الجامعات: بين الحياد الأكاديمي وضغوط السياسةالقضية لم تبقَ محصورة في أروقة القضاء والشارع، بل امتدت إلى داخل الجامعات نفسها.
ففي جامعة كوبنهاغن، واجهت إدارة الجامعة انتقادات من طرفين: من جهة الطلاب المتضامنين مع فلسطين الذين اتهموا الإدارة بـ" التعاون مع الشرطة"، ومن جهة أطراف أكاديمية دعت إلى ضبط الاحتجاجات داخل الحرم الجامعي.
هذا الانقسام يعكس حالة أوسع داخل التعليم العالي في أوروبا، حيث أصبحت الجامعات ساحة مواجهة بين حرية التعبير والاعتبارات الأمنية والسياسية المرتبطة بالصراعات الدولية.
موقف أكاديمي واسع: رفض" تجريم النشاط الطلابي"في مقابل هذا المسار القضائي، برز موقف لافت من داخل الأوساط الأكاديمية الدنماركية.
فقد نشر نحو 200 موظف ومحاضر في الجامعات الدنماركية بياناً علنياً يرفضون فيه ملاحقة الطلاب قضائياً على خلفية مشاركتهم في احتجاجات مؤيدة لفلسطين داخل الجامعة.
وجاء في البيان أن" تحويل الاحتجاجات الطلابية السلمية إلى قضايا جنائية يمثل مشكلة ديمقراطية جوهرية"، محذرين من أن ذلك قد يخلق سابقة خطيرة في التعامل مع النشاط الطلابي داخل الجامعات.
وأكد الموقعون أن الاحتجاجات الطلابية جزء من التقليد الديمقراطي للجامعات الدنماركية، وليست خروجاً عنه، مستشهدين بتاريخ طويل من التحركات الطلابية التي لعبت دوراً في قضايا سياسية داخل الدنمارك وخارجها، مثل مكافحة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
كما انتقد البيان لجوء إدارة الجامعة إلى الشرطة، معتبراً أن ذلك" يضعف استقلالية الجامعة ويحوّلها إلى طرف في النزاع السياسي".
جدل أوسع: أين تنتهي حرية التعبير؟القضية الحالية تعيد إلى الواجهة سؤالاً حساساً في الدنمارك: أين ينتهي الحق في الاحتجاج داخل الجامعة، وأين تبدأ المخالفة القانونية؟
بينما ترى السلطات أن القضية تتعلق بتجاوزات تنظيمية وإدارية، يرى قطاع من الأكاديميين والطلاب أن الملاحقات القضائية تعكس تضييقاً تدريجياً على النشاط السياسي داخل الحرم الجامعي، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي وفلسطين.
في المقابل، يشدد آخرون على أن الجامعات ليست فضاءً خارج القانون، وأن أي إغلاق للمباني أو تعطيل للعمل الإداري يستدعي تدخلاً قانونياً، بغض النظر عن الدوافع السياسية.
اختبار جديد للديمقراطية الجامعية في الدنماركتكشف قضية تونبرغ ورفاقها عن تحول أوسع في العلاقة بين السياسة والجامعة في الدنمارك، حيث لم تعد الاحتجاجات الطلابية مجرد ظاهرة داخلية، بل جزءاً من نقاش عالمي حول الحرب على غزة، وحرية التعبير، وحدود العصيان المدني.
وفي ظل انقسام واضح بين مؤسسات قانونية تعتبر ما حدث" خرقاً للنظام"، وأوساط أكاديمية ترى فيه" ممارسة ديمقراطية"، تبدو الجامعات الدنماركية أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على احتواء التوتر السياسي دون تحويله إلى مسار قضائي دائم.
السؤال الذي يطرحه هذا الجدل اليوم لا يتعلق فقط بالقضية نفسها، بل بما هو أوسع: هل تتحول الجامعة في أوروبا إلى مساحة مراقبة قانونية للنشاط السياسي، أم أنها ستبقى فضاءً مفتوحاً للاحتجاج والنقاش، حتى عندما يصبح ذلك الاحتجاج جزءاً من تناقض المواقف من قضايا دولية كبرى؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك