في قفزة سياسية تصدرت مشهد النقاشات حول هندسة مستقبل غزة، سجل اسم القيادي الفلسطيني ورجل الأمن السابق محمد دحلان وتياره الإصلاحي الديمقراطي، صعوداً مكثفاً ومفاجئاً إلى واجهة الترتيبات السياسية والأمنية لتحديد ملامح إدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.
بدأ بروز اسم دحلان في هندسة مستقبل غزة عندما عقد معه رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) لقاءات أمنية رفيعة المستوى لبحث خطة التيار الديمقراطي الإصلاحي في شأن اليوم التالي للحرب، ثم زاد حضوره كثافة في ملف غزة، عندما وجهت مصر دعوة للفصائل الفلسطينية حضرها فريقه.
وبالمشاركة في الترتيبات الأمنية والسياسية، تحول زعيم التيار الإصلاحي لحركة" فتح" من موقع المعارض والمغترب السياسي إلى حلقة وصل يراهن عليها الوسطاء لملء فراغ الحكم وإنقاذ غزة.
يقول رئيس التيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة" فتح" محمد دحلان" لا ’حماس‘ ولا القيادة الحالية للسلطة الفلسطينية قادرة على إدارة غزة بعد الحرب، الحل هو تشكيل قائد فلسطيني جديد ومستقل، مدعوم من الدول العربية، يتولى إدارة القطاع والضفة الغربية معاً، عبر حكومة خبراء، وتأتي دول عربية لتمويل إعادة الإعمار وضبط الأمن".
في الواقع، يأتي هذا الصعود اللافت لشخص محمد دحلان بفعل الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع والتي جعلت من فريقه وكوادره على أرض ميدان القطاع، حلقة لا يمكن للأطراف تجاوزها، إضافة إلى مفاتيح مالية قوية بحوزته ساعدته على أن يطرح نفسه كخيار إنقاذ وحيد قادر على إدارة المرحلة المقبلة في غزة.
يقول المتحدث الرسمي باسم التيار الإصلاحي لحركة" فتح" ديمتري دلياني" قدمنا رؤية وطنية لإقامة هيئة أو لجنة إدارية موقتة في قطاع غزة، هذه اللجنة ستتكون من كفاءات وطنية مستقلة ومهمتها الأساسية هي إدارة الشؤون الحياتية والإغاثية للمواطنين، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب بعيداً من التجاذبات السياسية".
تقوم خطة دحلان الذي حملها فريقه إلى الفصائل الفلسطينية التي تعقد اجتماعات في العاصمة المصرية القاهرة، على أنه" بدلاً من أن تحكم ’حماس‘ غزة، وهذا ما ترفضه إسرائيل وأميركا، وبدلاً من أن تحكمها السلطة الفلسطينية الحالية، وهذا ما تتحفظ عليه أطراف كثيرة، دعونا ننشئ لجنة وطنية أو مجلس سلام مدنياً".
يريد دحلان مواصفات خاصة لهذه اللجنة، بألا تكون حزباً سياسياً وأن تتكون من شخصيات مستقلة ومهندسين وأطباء من قطاع غزة نفسه، مهمتهم إدارة الشؤون اليومية للناس فقط، يتلقون تمويلاً مشروطاً بعدم ذهاب هذه الأموال لـ" حماس"، ويحظون بغطاء أمني مصري.
رأى المجتمع الدولي أن خطة دحلان واقعية وبات ينظر إليها كبديل تكنوقراط موقت وقادر على منع الانهيار الشامل، وما ساعد التيار الإصلاحي على هذا الصعود الميداني المتسارع، مساران متوازيان جرى طبخهما بدقة، الأول أمني وعسكري والثاني سياسي وإداري.
وفي تفاصيل المسار الأمني، عقد لقاء رسمي وسري في العاصمة الإماراتية أبوظبي، جمع بين رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي" الشاباك" دافيد زيني ومحمد دحلان، ولم يكن اللقاء بروتوكولياً حيث تمحور النقاش حول الترتيبات الأمنية والإدارية" لليوم التالي" في غزة.
بحسب هيئة البث الإسرائيلية الرسمية" كان"، فإن اللقاء حقق اختراقاً أمنياً وجاء في تقريرها" إن لقاءً رفيع المستوى جمع رئيس جهاز ’الشاباك‘ بالقيادي الفلسطيني محمد دحلان في عاصمة الإمارات أبوظبي، تمحور حول صياغة الترتيبات الأمنية للمرحلة المقبلة، وبحث آليات إدارة قطاع غزة والسيطرة على المعابر".
لم يعترض أحد في تل أبيب على هذا اللقاء، وهذا ما اعتبرته صحيفة" يديعوت أحرونوت" بمثابة مباركة أمنية إسرائيلية مشروطة وضمنية لملء الفراغ عبر تيار دحلان المقبول عربياً ودولياً.
أما في تفاصيل المسار السياسي، اختار تيار دحلان توقيتاً حرجاً بالتزامن المباشر مع انعقاد جولات الحوار الفصائلي في القاهرة ليطرح رسمياً ورقته السياسية والإدارية لإدارة غزة.
تقوم الخطة المعروضة على فكرة الفصل الكامل بين العمل الحزبي والخدمات اليومية، عبر تشكيل" لجنة وطنية انتقالية" أو" حكومة تكنوقراط" مكونة من كفاءات من داخل غزة لإدارة البلديات والمستشفيات والتعليم.
يريد دحلان في خطته تشكيل قوة أمنية محلية ذات طابع مدني، وهي قوة لا تنتمي إلى الفصائل الفلسطينية، وتتولى بالدرجة الأولى مهمتين استراتيجيتين، الأولى إدارة المعابر الحيوية لا سيما معبر رفح البري ومعبر كرم أبو سالم، لضمان استمرار تدفق البضائع والأفراد تحت إشراف يحيد مظاهر الحكم السابقة.
أما المهمة الثانية هي حماية قافلات المساعدات الإنسانية وتوزيعها في عمق القطاع لمنع عمليات الفوضى الشاملة التي فرضتها تداعيات الحرب.
يقول ديمتري دلياني المتحدث باسم التيار" أي ترتيبات تجري لقطاع غزة يجب أن تنطلق من صيغة توافقية وطنية لا تفرضها إملاءات خارجية، لن نقبل بوجود أي جندي غير فلسطيني في غزة، كذلك لن نكون جزءاً من أي سلطة تأتي على ظهر دبابات إسرائيلية أو بتكليف أمني خارجي، والهدف الأساس هو إيجاد مظلة تكنوقراط لإنقاذ شعبنا".
أما لجنة التكنوقراط الجديدة التي يريد دحلان أن يشكلها موكلة بالمهمات التنفيذية التي تمس حياة المواطن الغزي مباشرة، وأبرزها إعادة تشغيل المستشفيات وتنسيق عمل البلديات لترميم شبكات المياه والصرف الصحي وفتح المدارس، إلى جانب إدارة ملف المساعدات الإنسانية والإغاثية بالتنسيق مع الجهات الدولية.
لا يهتم دحلان في خطته للاعتراف السياسي ولكنه يبحث عن التوافق الفلسطيني، يقول القيادي في التيار غسان جاد الله" غزة لا تحتاج إلى شعارات سياسية بل إلى إدارة أزمات قادرة على إنقاذ ما تبقى من الحياة، ولذلك طرحنا في القاهرة لجنة وطنية لإدارة شؤون الناس الحياتية والبلدية والصحية بصورة موقتة، كجسر عبور نحو توافق وطني أشمل".
تعتمد خطة دحلان في تمويلها على مقترح سابق لدولة الإمارات العربية المتحدة، تتولى من خلاله إعادة إعمار قطاع غزة ودفع رواتب الموظفين بشرط وجود إدارة تكنوقراط شفافة لفتح خزائن الدعم.
عندما ارتكز دحلان على هذا الموقف كان لإقصاء الصيغ الإدارية السابقة في غزة، سواء تلك المرتبطة بحكم حركة" حماس" أو آليات الهيمنة والبيروقراطية التقليدية للسلطة الفلسطينية في رام الله.
تقول مساعدة وزير الخارجية الإماراتي للشؤون السياسية لانا نسيبة" مستعدون لتقديم الدعم المالي والإغاثي والإسهام في قوة تحقيق الاستقرار في غزة، ولكن هذا مشروط بوجود دعوة رسمية من حكومة فلسطينية متجددة، تحظى بالكفاءة والاستقلالية والشفافية التامة، وتكون بعيدة عن الفصائلية.
من دون خطة واضحة والتزام بإنهاء مظاهر الفساد والإدارة السابقة، لن يكون هناك تمويل مستدام".
هذا التصريح يمنح مبادرة التيار الإصلاحي وزناً كبيراً لكونها تلبي الشروط، وحصلت خطته على دعم دبلوماسي حيث قال وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي" الأولوية القصوى لمصر هي التدفق غير المشروط للمساعدات وإيجاد آلية فلسطينية مرنة ومقبولة لإدارة الحياة اليومية وتأمين القطاع صحياً وخدمياً".
" حماس" لا تمانع لكن السلطة الفلسطينية متشددةمن جانبها، أبدت حركة" حماس" جاهزيتها لتسليم ملفات الإدارة الخدمية والحكم المدني في القطاع لمصلحة حكومة تكنوقراط أو لجنة مستقلة.
يقول رئيس وفد" حماس" للمفاوضات خليل الحية" الحركة لا تتمسك بالحكم من أجل الحكم، وقد أبدينا مرونة عالية في القاهرة لتشكيل لجنة وطنية تدير غزة وتنقذ شعبنا من الحصار والمجاعة، لكننا لن نقبل بأي ترتيبات مشبوهة تهدف إلى عزل الفصائل الوطنية أو فرض وصاية خارجية على شعبنا".
خطة دحلان تصطدم برفض قاطع وشرس من قبل القيادة الرسمية للسلطة الفلسطينية في رام الله، ويرى الرئيس محمود عباس أن" أي أجسام إدارية أو لجان مستقلة تشكل خارج مظلة ’منظمة التحرير‘ والحكومة الفلسطينية الشرعية، هي أجسام بديلة ومشبوهة تهدف بالدرجة الأولى إلى تكريس الانقسام الجغرافي وفصل قطاع غزة نهائياً عن الضفة الغربية".
صرح المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة قائلاً" أي محاولات لخلق أجسام أو لجان مشبوهة لإدارة قطاع غزة خارج إطار الشرعية الفلسطينية هي مؤامرة لتصفية المشروع الوطني، ولن يتعامل شعبنا مع أي سلطة بديلة وغير شرعية".
ويضيف" الحكومة الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المخولة قانونياً ودولياً بإدارة قطاع غزة والإشراف على المعابر والإعمار، وقد وضعت الحكومة خطة وطنية شاملة تنفذها وزاراتنا وهيئاتنا الرسمية لتقديم الإغاثة وتوحيد المؤسسات، وأي مسار آخر هو قفزة في الفراغ لن يكتب له النجاح".
وجدت خطة دحلان ردود فعل متباينة تحت ظلال الخيم المتهالكة وفي أزقة مخيمات النزوح المكتظة في غزة، إذ ينظر جزء من المواطنين المثقلين بيوميات النزوح والجوع إلى مشروع التيار الإصلاحي من زاوية المصلحة الإغاثية المحضة، ويرى فيها طوق نجاة وحيد لإنهاء الواقع المأسوي.
يقول منتصر وهو أب لستة أبناء يعيش في خيمة" أنا لا يهمني من يحكم غزة، ما يهمني هو أن تفتح المعابر، وأن تدخل مواد البناء، وأن نرى تمويلاً حقيقياً يعيد إعمار بيوتنا، نحن نموت ببطء في هذه الخيم والأولوية اليوم لمن يطعم أولادنا ويؤوي عائلاتنا".
لكن على نقيض الحسابات الإغاثية، تقف شريحة واسعة من الغزيين في مربع الرفض، إذ ينظرون إلى الخطة بريبة وأنها مشاريع حوكمة تجري هندستها في عواصم خارجية.
تقول سارة وهي ناشطة مجتمعية" لا يمكننا القبول بأي ترتيبات سياسية أو أمنية تأتي عبر تفاهمات سرية في عواصم إقليمية أو لقاءات مع ’الشاباك‘، غزة دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها، وأي إدارة انتقالية تفرض علينا من الخارج من دون توافق وطني حقيقي وشامل، سنعتبرها أداة لتصفية القضية الفلسطينية والالتفاف على تضحيات الناس".
بين ضجيج المؤيدين الساعين وراء لقمة العيش، وصوت الرافضين المتوجسين من الحسابات السياسية، تقبع الغالبية الصامتة غير المعنية بهوية الجالس على كرسي الحكم بقدر ما يعنيها البقاء على قيد الحياة.
يقول راشد وهو أب لأسرة ممتدة" أطفالي لا يعرفون من هو دحلان ولا يعرفون حكومة رام الله أو ’حماس‘، هم يعرفون فقط أنهم جياع وخائفون، الغالبية الكاسحة في غزة تريد الاستقرار وكفى".
تمثيل رسمي محدود لكن قبول شعبي للإغاثةأجرى المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية استطلاعاً لقياس الوزن الحقيقي لمحمد دحلان وتياره في الشارع الغزي، وتكشف النتائج أن نسبة التأييد السياسي المباشر لدحلان في الانتخابات الرئاسية تظل متواضعة وتتراوح حول حاجز ثمانية في المئة فقط.
يعقب مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية خليل الشقاقي قائلاً" استطلاعاتنا تكشف عن فجوة واضحة بين شعبية القيادات السياسية والحاجات الوظيفية للشارع، فدحلان لا يملك قاعدة شعبية تؤهله لقيادة المشهد عبر صناديق الاقتراع، لكن الشارع الغزي في الوقت ذاته يبدي موافقة شديدة على مشاريع الإغاثة وإعادة الإعمار".
ويضيف" الأرقام تخبرنا أن دحلان يمكنه العودة إلى غزة عبر بوابته الوحيدة والواقعية هي الدور الوظيفي والخدماتي المدعوم إقليمياً، فالجمهور هنا يقبل المال والحلول الإغاثية لكنه يضع شروطاً قاسية على مسألة الشرعية السياسية والتمثيل".
في الواقع، يبدو الطريق نحو تطبيق خطة اليوم التالي التي يعرضها دحلان أشبه بالسير في حقل ألغام، إذ يصطدم مشروعه بخمس عقبات وهي: فيتو رام الله لأي جسم إداري يعمل خارج مظلتها الرسمية، والشروط الأمنية الإسرائيلية بالبدء الفعلي ببرنامج تفكيك البنية العسكرية ونزع السلاح، وخطوط" حماس" الحمراء لعدم عزلها وتصفيتها كلاعب أساس، واشتراطات الممولين، وأخيراً أزمة الثقة الميدانية.
يقول الباحث في الشأن الفلسطيني طارق المصري" صعود اسم محمد دحلان في سيناريوهات اليوم التالي لا يعبر عن تبدل في أوزان الحركة السياسية الداخلية بقدر ما يعبر عن أزمة بدائل تعيشها الأطراف الدولية والإقليمية".
ويضيف المصري" دحلان يحاول الاستفادة من شبكة علاقاته الإقليمية لتقديم نفسه كمنقذ إغاثي مستنداً إلى حقيقة أن الشارع الغزي يمر بمرحلة من اليأس تجعله يقبل بالحلول الموقتة لتأمين لقمة العيش، لكن هذا القبول الإغاثي يظل هشاً، ولا يمكن ترجمته إلى استقرار سياسي بعيد المدى ما لم يحظ بغطاء توافقي وطني شامل تشارك فيه القوى الفاعلة على الأرض".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك