داخل الحمّام، أفرغتُ آخر طاسة ماء فاتر على جسدي وجلستُ على الكرسي البلاستيكي الواطئ أسترجع أنفاسي بحركات تنفّس مُنتظمة وعميقة، مُستغرقاً بكلّ جوارحي في اللحظة.
حالة من السكينة تلفني بالكامل.
عقلي يسبح في غلالة شفيفة من الهدوء المُخدِّر.
راحة مُكتملة لا تشوبها شائبة.
قبل ساعة من الآن كنتُ قد استيقظتُ من قيلولة خفيفة، على وقع رنّات منبّه الهاتف الذكي الموضوع على الكومودينو الملاصق لسريري، بعد وجبة غداء دسمة.
ارتديتُ ملابسي الرياضية القصيرة وحذاء" نايكي" وخرجتُ قاصداً" متنزه الكارتين".
45 دقيقة من الهرولة تلتها حصة قصيرة من حركات اللياقة البدنية.
في المحصلة، نحن لا نحتاج إلى أشياء كثيرة أو القيام بأعمال خارقة لنشعر بالراحة.
يمكن أن نحسّ بها، بعد جولة جري قصيرة كحالتي، أو حين نتمشّى في الطريق العام، أو ونحن نجلس على شاطئ بحر قُبيل الغروب، أو في جلسة رائقة مع بعض الأحبّة، أو بكلّ بساطة، ونحن مستلقون على سرير وثير لا نفعل أيّ شيء.
السينما، التلفاز، ومؤخراً وسائل التواصل الاجتماعي، كلّها، تصرّ على أنّ الحياة لا تكتمل إلا إذا امتلكنا هذا الشيء أو ذاك، أو إلّا إذا كنا في هذا المكان أو ذاك، أو إلّا إذا ارتبطنا بهذا الشخص أو ذاك.
من الناحية التجارية المسألة مفهومة، فلكي تستمر عجلة الاقتصاد في الدوران، فمن الضروري أن تدعم وسائل الدعاية هذا الوهم، بالمزيد من الاستهلاك ثم المزيد من الاستهلاك، بخلق الحاجة، حتى للأشياء التي لا نحتاج إليها أصلاً.
الراحة، حالة وجودية جوانية لا علاقة لها بالعالم البراني الذي نوجد داخلهلكن لكلّ شيء حدود، وإذا تجاوزنا الحد، وقد نكون تجاوزناه بالفعل، فلن نجر علينا إلا غضب الطبيعة وعنفها المُدمّر، الذي أصبح واقعاً نعيشه منذ بضعة سنوات.
أتذكّر أننا عندما كنّا صغاراً كان جداي يعيشان في منزل يخلو من سائر وسائل الراحة.
لا ماء صالح للشرب، لا كهرباء، لا تلفاز، ولا حمّام.
منزل مُتقشف لا يمتّ للحياة العصرية بأيّ شيء.
رغم أنّ جدَيّ انتقلا مُبكّراً إلى المدينة، لكن قلّة ذات اليد، أجبرتهما على المحافظة على أسلوب الحياة البدوي المتقشّف نفسه.
كنّا كلّما ذهبنا لزيارتهما نستعجل الرجوع إلى منزلنا لأننا لم نكن نطيق الابتعاد عن التلفاز، والماء المتدفّق من الصنبور، وأتعجّبُ كثيراً كيف يستطيعان العيش في ذلك المكان المُقفر.
وفي المقابل، كانا (جداي) عندما يزوراننا، يستعجلان الرجوع إلى منزلهما، لأنّهما لم يكونا يطيقان الضجيج الذي يسبح فيه منزلنا.
في هذه اللحظة وأنا داخل الحمّام والصمت المُطبق يلفني، بما أنّ الزجاج المُحيط بي يمنع عني جميع الأصوات التي تنبعث من العالم، أكتشف بشيء من الدهشة أنّ العالم الذي نعيش فيه، مليء بالضجيج، ضجيج تحدثه كلّ الأشياء التي صنعنا من أجل راحتنا، في حين أنها لم تزدنا إلا قلقاً، وربّما تعاسة.
الراحة، حالة وجودية جوانية لا علاقة لها بالعالم البراني الذي نوجد داخله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك