طهران- “القدس العربي”: تسبب خلل واسع النطاق في الخدمات المصرفية المعتمدة على البطاقات في ثلاثة من أكبر المصارف الإيرانية يومي الثلاثاء والأربعاء في مواجهة عشرات الملايين من العملاء في مختلف أنحاء إيران لمشكلات كبيرة.
وتعرضت خدمات بنوك ملي وصادرات وتجارت لاضطرابات منذ الساعات الأولى من صباح الثلاثاء.
وفقد عدد كبير من العملاء القدرة على استخدام البطاقات المصرفية وأجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع الإلكترونية والخدمات المصرفية الرقمية، بما في ذلك التطبيقات المصرفية على الهواتف المحمولة.
واستمر الوضع حتى اليوم التالي، قبل أن تعلن شركة “الخدمات المعلوماتية” عودة الخدمات تدريجياً إلى وضعها الطبيعي.
وقالت شركة الخدمات المعلوماتية، التي تدير جزءاً من البنية التحتية التكنولوجية للشبكة المصرفية الإيرانية، في بيان، إن الاضطرابات التي شهدتها الأنظمة المصرفية نجمت عن هجوم سيبراني.
وأضافت الشركة أنها أوقفت مؤقتاً الخدمات المعتمدة على البطاقات في بنوك ملي وصادرات وتجارت، بهدف منع أي وصول غير مصرح به إلى بيانات المصارف وعملائها.
وجاء في بيان الشركة: “في أعقاب حدوث بعض الاضطرابات في الأنظمة المعتمدة على البطاقات في بنوك ملي وصادرات وتجارت، التي أفيد بأنها ناجمة عن هجمات سيبرانية، تم تعليق الخدمات المعتمدة على البطاقات بصورة مؤقتة، وذلك لمنع أي وصول غير مصرح به وحماية أمن البيانات وأصول العملاء”.
وفي إيران، ورغم غياب بطاقات الدفع الدولية مثل فيزا كارد وماستر كارد بسبب العقوبات الأمريكية، فإن معظم الخدمات المصرفية، بما في ذلك فتح حساب، وتحويل الأموال، ودفع الفواتير، وشراء السلع والخدمات تكون باستخدام البطاقات المصرفية والتطبيقات الإلكترونية، بدءاً من دفع أجور سيارات الأجرة وصولاً إلى تسديد فواتير المياه والكهرباء والغاز ودفع تكاليف الوقود في محطات البنزين.
وأصبحت المدفوعات النقدية الورقية شبه معدومة في إيران، إذ يعتمد المواطنون بشكل شبه كامل على البطاقات المصرفية والتطبيقات البنكية في معاملاتهم اليومية.
ومع توقف خدمات البطاقات والتطبيقات المصرفية التابعة لهذه البنوك الثلاثة، دعت جمعية أصحاب محطات الوقود في إيران، المواطنين إلى استخدام الأموال النقدية لدفع ثمن الوقود.
كما أعلنت وزارة الاتصالات أنها أصدرت تعليمات مؤقتة بعدم قطع خطوط الهاتف الثابت أو المحمول بسبب الديون المتراكمة، نظراً إلى عدم قدرة المشتركين على سداد مستحقاتهم في ظل تعطل الخدمات المصرفية.
ويعد بنك ملي أكبر مصرف في إيران، إذ يضم أكثر من 40 مليون عميل، كما يمتلك أكبر عدد من الحسابات والفروع المصرفية في البلاد.
وتوجد جميع حسابات المؤسسات الحكومية الإيرانية لدى هذا البنك.
أما بنك صادرات، فيضم نحو 36 مليون عميل، في حين يقدر عدد عملاء بنك تجارت بما يتراوح بين 15 و20 مليون شخص.
ولذلك، أثرت الاضطرابات التي شهدتها هذه البنوك الثلاثة على جزء كبير من المعاملات المالية اليومية في البلاد.
ويبلغ عدد سكان إيران نحو 85 مليون نسمة.
ويعد بنكا ملي وتجارت مصرفين حكوميين بالكامل، في حين يصنف بنك صادرات على أنه مصرف ذو ملكية مختلطة بين القطاعين العام والخاص.
وفي صباح الأربعاء، أعلنت شركة الخدمات المعلوماتية أن الأعطال التي أصابت الأنظمة المصرفية تمت معالجتها، وأن الخدمات المعتمدة على البطاقات أصبحت متاحة مجدداً للعملاء.
وأضافت الشركة أن تقديم الخدمات المصرفية عاد إلى طبيعته، وأن العملاء باتوا قادرين على استخدام البطاقات المصرفية وغيرها من الخدمات البنكية بشكل طبيعي.
وفي الوقت نفسه، قدم بنك ملي اعتذاراً لعملائه عن المشكلات التي تسبب بها الانقطاع.
وأكد البنك أن الفرق الفنية تعمل على مدار الساعة لإعادة جميع الخدمات بشكل كامل، مشدداً على أن القيود التي فرضت بصورة مؤقتة جاءت بهدف حماية بيانات العملاء ومنع أي عمليات استغلال محتملة.
ويأتي هذا الحادث في وقت واجه فيه القطاع المصرفي الإيراني خلال الأشهر الماضية سلسلة من الأعطال الواسعة والمشكلات التقنية.
وقبل أيام قليلة فقط، في 13 يونيو/ حزيران 2026، نُشرت تقارير تحدثت عن اضطرابات في خدمات أربعة مصارف هي ملي وصادرات وتجارت وتنمية الصادرات.
وفي ذلك الوقت، اشتكى العديد من العملاء من بطء الخدمات المصرفية أو توقفها، إضافة إلى مشكلات تتعلق بالبطاقات المصرفية وبعض الخدمات الإلكترونية غير الحضورية.
وكان بنك ملي قد تعرض في مناسبات سابقة لاضطرابات في أنظمته المصرفية وخدماته الإلكترونية، وهو ما أثار انتقادات العملاء ومخاوف الخبراء بشأن استقرار البنية التحتية المصرفية في البلاد.
ومن أبرز الحوادث السيبرانية التي شهدتها إيران خلال العام الماضي ما وقع أثناء الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل (13 إلى 24 يونيو/حزيران 2025).
وخلال تلك الفترة تعرض بنك سبه، أحد أكبر المصارف الحكومية الإيرانية، لاضطرابات واسعة في أنظمته المصرفية، وتوقفت خدماته المقدمة للعملاء بشكل كامل.
وأُعلن أن هجوماً سيبرانياً كان السبب وراء ذلك.
وفي الأيام التالية، أبلغ عملاء بنك سبه عن مشكلات كبيرة في استخدام البطاقات المصرفية والخدمات الإلكترونية وبعض العمليات البنكية.
وبينما لم تنشر السلطات تفاصيل تقنية واسعة بشأن الحادث، فإنها أكدت وقوع اضطرابات كبيرة في الخدمات المصرفية.
وفي الفترة نفسها، تحدث مسؤولون إيرانيون عن تزايد الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية للبلاد، وأعلنوا أن الجهات المختصة تتعامل مع موجة من الهجمات الإلكترونية التي تصاعدت بالتزامن مع التوترات العسكرية.
ولا تقتصر الهجمات السيبرانية في إيران على القطاع المصرفي فقط.
فقد تعرض نظام الوقود الذكي، الذي يدير عملية توزيع البنزين بشكل موحد في جميع محطات الوقود الإيرانية، لهجمات إلكترونية متكررة خلال السنوات الأخيرة، ما تسبب في تعطيل عمل العديد من المحطات.
وفي إيران يتم بيع البنزين من خلال بطاقات وقود خاصة بكل مركبة، ولذلك تؤدي الهجمات السيبرانية في بعض الأحيان إلى تعطيل استخدام هذه البطاقات أو إعاقة عملها.
كما تعرضت بعض المؤسسات الحكومية والبلديات والشركات الخدمية والبنى التحتية الخاصة بالنقل ومراكز اقتصادية مختلفة لهجمات سيبرانية أو اضطرابات واسعة النطاق.
وأدت بعض هذه الهجمات إلى توقف مؤقت للخدمات العامة، بينما تسببت هجمات أخرى في نشر ادعاءات حول الوصول إلى بيانات ومعلومات تخص مؤسسات وهيئات مختلفة.
ومع التوسع المتزايد في الخدمات الرقمية وارتفاع اعتماد المواطنين على الأنظمة الإلكترونية، أصبحت المصارف من أبرز أهداف الهجمات السيبرانية، نظراً لامتلاكها كميات هائلة من البيانات المالية والشخصية الخاصة بالمواطنين.
كما أن تصاعد التوترات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما المواجهة بين إيران وإسرائيل، جعل موضوع الحرب السيبرانية يحظى باهتمام متزايد.
واتهمت إيران مراراً إسرائيل وبعض الدول الغربية بالوقوف وراء هجمات إلكترونية استهدفت بنيتها التحتية.
وفي المقابل، تتهم دول غربية وإسرائيل إيران بتنفيذ عمليات سيبرانية ضد أهداف خارجية، وهي اتهامات ترفضها طهران باستمرار.
وفي ظل هذه الأجواء، تعد البنى التحتية المالية والمصرفية وقطاعات الطاقة والاتصالات من بين الأهداف الرئيسية للهجمات السيبرانية.
ورغم أن الاضطرابات الأخيرة التي طالت بنوك ملي وصادرات وتجارت تمت معالجتها خلال أقل من 24 ساعة، فإنها سلطت الضوء مجدداً على حجم التهديدات السيبرانية التي تواجهها إيران.
وبالنسبة لملايين الإيرانيين الذين تعتمد حياتهم اليومية على الخدمات المصرفية الإلكترونية، فإن أي انقطاع يستمر لساعات أو أيام لا يمثل مجرد مشكلة تقنية، بل قد يؤثر بصورة مباشرة على الأنشطة الاقتصادية والتجارية وحتى على الاحتياجات اليومية الأساسية.
ولهذا السبب، ينظر إلى الحادث الأخير باعتباره مؤشراً على تصاعد الهجمات السيبرانية ضد البنية التحتية الإيرانية، وفي الوقت نفسه دليلاً على التحديات المتزايدة التي تواجه أمن الفضاء السيبراني في البلاد، وهي تحديات ازدادت أهميتها مع تصاعد التوترات الإقليمية واتساع نطاق التهديدات الرقمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك