في عالم الحروب الكبرى لا تُحسم المعارك دائما بالدبابات والمدافع، بل قد تتوقف مصائر الدول على معلومة تصل في الوقت المناسب، ومن هذه الفكرة ينطلق برنامج" الدحيح" ليروي قصة ريتشارد سورج، الرجل الذي وصفه كثيرون بأنه أحد أخطر الجواسيس في القرن العشرين.
وتستعرض الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) سيرة عميل سوفياتي تمكن من اختراق دوائر صنع القرار الألمانية واليابانية في آن واحد، ليصبح مصدرا لمعلومات غيرت مسار الحرب العالمية الثانية، قبل أن ينتهي به المطاف معلقا على حبل المشنقة ومنسيا من الدولة التي خدمها.
تبدأ القصة من ستينيات القرن الماضي حين أثار فيلم فرنسي عن سورج دهشة القيادة السوفياتية نفسها، فبينما كان الرجل مجهولا لدى ملايين السوفييت، قدمه الفيلم بطلا استثنائيا ساهم في هزيمة ألمانيا النازية وإنقاذ الاتحاد السوفياتي من أخطر تهديد واجهه.
ويشير مقدم البرنامج أحمد الغندور إلى أن المفارقة لم تكن في بطولة سورج وحدها، بل في أن زعيم الاتحاد السوفياتي آنذاك نيكيتا خروتشوف لم يكن يعرف شيئا عن هذا الرجل، رغم المكانة التي منحها له لاحقا باعتباره أحد أبرز أبطال البلاد بعد وفاته.
ومن هنا تعود الحلقة إلى البدايات، حيث ولد سورج عام 1895 لأب ألماني وأم روسية، وعاش طفولة مستقرة قبل أن تقلب الحرب العالمية الأولى حياته رأسا على عقب، وتدفعه إلى مراجعة أفكاره وموقفه من العالم والسياسة.
في خنادق الحرب شاهد الجنود يسقطون بالمئات دون أن يفهموا سبب القتال، كما تعرض لإصابة خطيرة تركت أثرا دائما في جسده، ومع انتهاء الحرب خرج بقناعة مختلفة مفادها أن العالم يحتاج إلى تغيير جذري يمنع تكرار تلك المآسي.
قادته هذه القناعة إلى تبني الفكر الشيوعي والانضمام إلى الحزب الشيوعي الألماني، حيث برز ناشطا ومثقفا قادرا على التأثير في محيطه، لكن تلك المرحلة لم تكن سوى بوابة نحو مسار أكثر خطورة سيغير حياته بالكامل.
وفي موسكو، لفت انتباه قادة الاستخبارات السوفياتية بفضل ثقافته الواسعة وإجادته عدة لغات وقدرته على التأقلم مع البيئات المختلفة، ورأت فيه الأجهزة الأمنية نموذجا مثاليا للعميل القادر على التغلغل داخل المجتمعات المعادية دون إثارة الشبهات.
كانت المهمة الأولى التي تلقاها تبدو متناقضة تماما مع تاريخه السياسي؛ إذ طُلب منه قطع صلاته بالشيوعيين والتظاهر بأنه مؤيد متحمس للنازية، بل والسعي للاندماج داخل الدوائر الألمانية القريبة من الحزب الحاكم.
ولتنفيذ هذا الدور، درس سورج الأدبيات النازية بعناية، وأتقن خطابها السياسي حتى نجح في إقناع المحيطين به بأنه صحفي ألماني قومي متشدد، وهكذا تحول من ناشط شيوعي معروف إلى شخصية يصعب التشكيك في ولائها لألمانيا.
ولم يكتف سورج بارتداء قناع النازي المخلص، بل نجح في التغلغل داخل البيئة السياسية التي كانت تدين بالولاء للزعيم النازي أدولف هتلر، ومع مرور الوقت، تحول هذا الغطاء إلى واحد من أكثر الاختراقات الاستخباراتية جرأة في تلك المرحلة المضطربة من تاريخ أوروبا.
وبينما كان قادة ألمانيا يرون فيه صحفيا وطنيا متحمسا للمشروع النازي، كان ينقل إلى موسكو ما يراه ويسمعه من معلومات وتحليلات، وهكذا بدأ الجاسوس السوفياتي رحلته الطويلة داخل المنظومة التي أسسها هتلر، قبل أن يصبح لاحقا أحد أخطر خصومها في الخفاء.
بعد ذلك أُرسل إلى الصين، حيث بدأ بتشكيل شبكة من المتعاونين والوسطاء، وهناك تعرّف إلى شخصيات ستصبح لاحقا العمود الفقري لأهم شبكة تجسس أسسها خلال مسيرته الاستخباراتية الطويلة.
لكن التحدي الأكبر كان ينتظره في اليابان، الدولة التي أصبحت في الثلاثينيات قوة عسكرية صاعدة تشكل مصدر قلق متزايد للاتحاد السوفياتي، خاصة مع توسعها المستمر في شرق آسيا واقترابها من الحدود السوفياتية.
وصل سورج إلى طوكيو بصفة صحفي ألماني، وبدأ بناء شبكة واسعة من المصادر والمتعاونين، وبرغم الرقابة الأمنية المشددة المفروضة على الأجانب، تمكن من إيجاد موطئ قدم داخل أكثر البيئات حساسية في البلاد.
وسرعان ما نجح في التقرب من كبار المسؤولين الألمان العاملين في اليابان، مستفيدا من شخصيته الجذابة ومعرفته العميقة بالسياسة الدولية، وبمرور الوقت تحول من مجرد صحفي إلى مستشار غير رسمي يحظى بثقة واسعة.
وتوضح الحلقة أن الاختراق الأهم تمثل في علاقته بالسفير الألماني وقيادات السفارة، إذ أصبح مطلعا على وثائق وتقارير حساسة كانت ترسل مباشرة إلى برلين، بينما كانت نسخ منها تجد طريقها إلى موسكو عبر شبكته السرية.
ولإبعاد الشبهات عنه، تبنى سورج نمط حياة صاخبا لا يشبه صورة الجاسوس التقليدي، فقد اشتهر بالسهر والعلاقات الاجتماعية الواسعة والمغامرات المتكررة، ما جعل كثيرين يرونه شخصية متهورة أكثر من كونه عميلا استخباراتيا محترفا.
وفي ذروة الحرب العالمية الثانية، أرسل تحذيرات متكررة بشأن نية ألمانيا غزو الاتحاد السوفياتي، لكن القيادة السوفياتية لم تتعامل معها بالجدية الكافية، ولم تدرك قيمة تلك المعلومات إلا بعد انطلاق عملية" بارباروسا" بالفعل.
غير أن الإنجاز الأهم تمثل في تأكيده أن اليابان لا تخطط لمهاجمة الاتحاد السوفياتي من الشرق، بل تتجه نحو التوسع جنوبا في المحيط الهادئ، وقد سمحت هذه المعلومة لستالين بإعادة نشر قوات ضخمة للدفاع عن موسكو.
تعتبر الحلقة أن تلك الخطوة كانت من أكثر اللحظات تأثيرا في الحرب العالمية الثانية، إذ ساهمت القوات المنقولة من الشرق في تعزيز الدفاعات السوفياتية خلال معركة موسكو، وهي محطة شكلت نقطة تحول في مسار الصراع مع ألمانيا.
لكن النجاح لم يمنع النهاية المأساوية، ففي عام 1941 تمكنت الأجهزة الأمنية اليابانية من تفكيك أجزاء من الشبكة عبر سلسلة اعتقالات وتحقيقات، لتصل في النهاية إلى سورج وعدد من أقرب مساعديه.
وعندما وجد نفسه في قبضة السلطات اليابانية، اعترف بدوره الكامل في محاولة لحماية بعض المتعاونين معه من التعذيب، ومع ذلك لم يجد أي دعم من موسكو التي أنكرت رسميا معرفتها به رغم سنوات خدمته الطويلة.
وتكشف الحلقة أن السلطات اليابانية عرضت مبادلته أكثر من مرة، لكن الاتحاد السوفياتي رفض الاعتراف به، وبذلك بقي الرجل وحيدا في السجن بينما كانت الأحداث التي ساهم في صنعها تغير خريطة الحرب العالمية الثانية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1944 أُعدم ريتشارد سورج في طوكيو، لينتهي فصل استثنائي من تاريخ الجاسوسية، غير أن قصته لم تنته عند هذا الحد، إذ أعيد اكتشافها لاحقا وتحول إلى رمز استخباراتي ألهم أجيالا كاملة من العاملين في هذا المجال.
ويختتم" الدحيح" الحلقة بمقارنة بين زمن سورج والعصر الرقمي الحالي، موضحا أن التكنولوجيا جعلت إخفاء الهوية أكثر صعوبة، لكنها لم تُنهِ عالم التجسس، فالحروب ما زالت تُخاض بالمعلومات بقدر ما تُخاض بالسلاح، وما زالت المعارك الحاسمة تبدأ أحيانا من الظل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك