شهد الفكر الاقتصادي الأميركي تحولاً جذريًا نحو صياغة ملامح استراتيجية «ترمبونوميكس 2.
0»، والتي أعلن بموجبها وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، رسميًا فشل الرهانات التاريخية على العولمة والتكامل الاقتصادي وسلاسل الإمداد الرخيصة.
وجاء هذا التحول، الذي طرحه بيسنت في خطاب بارز بنيويورك، ليرسم ملامح السياسة الاقتصادية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، مكرسًا حمائية جديدة تعتمد على فرض التعريفات الجمركية الحازمة، وإعادة توطين الصناعات، وتفضيل الأمن القومي والسيادة الإنتاجية المحلية على حساب الاستهلاك الأعمى والاعتماد المفرط على الخارج.
وفي ظل إجماع نادر بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على مراجعة آليات السوق الحرة التي سادت ما قبل الجائحة، يبعث هذا التوجه برسالة واضحة للمستثمرين بأن عهد الأسواق المفتوحة القديم قد ولى، وأن واشنطن لن تتردد في استخدام أدواتها التجارية لفرض مبدأ «المعاملة بالمثل»، تزامنًا مع ترتيب البيت النقدي الداخلي الذي حظي فيه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، بثقة كاملة من ترمب.
في هذا السياق، أعلن وزير الخزانة الأميركي، في خطاب ألقاه أمام النادي الاقتصادي في نيويورك، مساء أمس الثلاثاء، أن الرهان طويل الأمد على السلع الأرخص والتكامل الاقتصادي الأعمق كأداة لزيادة ثراء وأمان الولايات المتحدة قد فشل، وفقًا لـ «أكسيوس».
ويضع هذا الخطاب الإطار العام للسياسات الاقتصادية لترمب في ولايته الثانية، والتي تشمل فرض التعريفات الجمركية الواسعة والدعوات المتكررة لإعادة توطين الصناعات داخل البلاد، مما يشير إلى أن هذه التوجهات تمثل إعادة تفكير أوسع في مفهوم العولمة يتجاوز حدود إدارة واحدة، وهو ما يعني أن المستثمرين الذين يأملون في العودة إلى الاستراتيجيات الاقتصادية القديمة قد ينتظرون طويلاً.
السيادة الإنتاجية مقابل الاستهلاكأكد بيسنت، في كلمته، أن الدولة التي تعتمد على خصومها لتأمين مدخلاتها الحيوية لا تتمتع بسيادة حقيقية، مشيرًا إلى أن الدولة التي تختزل اقتصادها في الاستهلاك فقط لا يمكنها تحقيق ازدهار فعلي، موضحًا أن صناع السياسات افترضوا سابقًا بشكل خاطئ أن الأسعار المنخفضة قادرة على التعويض عن فقدان القدرة الإنتاجية المحلية.
الاعتماد المفرط على الخارججادل وزير الخزانة بأن أميركا، رغم حصولها على سلع أرخص وسلاسل إمداد أكثر كفاءة، أصبحت تعتمد بشكل مفرط على الدول الأجنبية، مشيرًا إلى أن الحل يكمن في تبني استراتيجية اقتصادية جديدة تولي الأهمية القصوى للإنتاج المحلي، ومرونة سلاسل التوريد، وحماية الأمن القومي.
يعكس القلق المتزايد شكوكًا مشتركة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول النظرة العالمية التي سادت قبل جائحة كورونا، حيث ردد بيسنت ما صرح به مستشار الأمن القومي السابق، جيك سوليفان، عام 2023 بشأن الخطأ في افتراض أن الأسواق تخصص رأس المال بكفاءة دائمًا، وأن سلاسل التوريد مرنة وتعمل في كل أزمة.
ودعا بيسنت إلى تنويع الاقتصاد لتجنب التركزات الخطيرة التي تضع أميركا تحت رحمة نقاط الاختناق الأجنبية.
يمتاز برنامج ترمب الاقتصادي بتركيزه الصارم على مبدأ «المعاملة بالمثل الدولية» لمعالجة ما تراه الإدارة خطأ بحق أميركا، حيث أفاد بيسنت بأن الشراكة الاقتصادية الأميركية أصبحت تحمل توقعات محددة، مشددًا على أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات عديدة لمعالجة الممارسات التي تشوه التجارة، وأنها لن تتردد في استخدامها بحزم لحماية مصالحها.
في سياق منفصل، أشاد بيسنت، صباح اليوم، عبر قناة «سي إن بي سي»، بجهود رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، للتخلص من التوجيهات المستقبلية للسياسة النقدية، مؤكدًا أن ترمب أعرب علنًا وسرًا عن ثقته الكاملة في وارش وإدارته للمجلس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك