بينما تنشغل منصات الإعلام والجماهير الجزائرية باستحضار التاريخ وحسابات التأهل الرقمية، يقف المنتخب الجزائري أمام حقيقة تكتيكية مرعبة على أرضية الملعب يغفل عنها الكثيرون، هذه الحقيقة تتجسد في المشروع الفني الصامت الذي يقوده المدرب الألماني رالف رانغنيك مع المنتخب النمساوي، فهذا الرجل الذي لا يُنظر إليه كمجرد مدرب، بل هو الأب الروحي والعرّاب الفعلي لأسلوب “الضغط العكسي الشرس” في كرة القدم الحديثة، وهي المدرسة الفلسفية التي استلهم منها كبار مدربي العالم مثل يورغن كلوب وتوماس توخيل نظرياتهم التدريبية، الخطورة هنا لا تكمن في الأسماء الرنانة، بل في “التشابه المعماري” والبنيوي بين عقلية رانغنيك والتركيبة البشرية للمنتخب النمساوي، حيث ينشط معظم لاعبيه في الدوري الألماني، مما جعلهم يتشربون هذا الأسلوب البدني والذهني الصارم حتى أصبح بمثابة طبيعة ثانية لهم داخل الملعب.
هذه التوليفة النمساوية تخلق منظومة آلية الحركة والضغط، فرضت ما يشبه “حظر التنفس الكروي” على كل الخصوم، فلا تترك للاعب ثانية واحدة للتفكير، أو حتى بناء اللعب بارتياح من الخلف، النقاش الفني الحقيقي الذي يفرض نفسه قبل ليلة الحسم في كانساس سيتي يدور حول كيفية تعامل خط وسط الميدان الجزائري مع هذا الإعصار البدني، فالمنظومة النمساوية تعتمد على خنق حامل الكرة فور فقدانها، وحرمانه من زوايا التمرير في أجزاء من الثانية، وهو ما يضع صُناع اللعب في المنتخب الجزائري أمام اختبار غير مألوف يتطلب سرعة تصرف استثنائية وقدرة عالية على الخروج من الضغط تحت وطأة الالتحامات البدنية القوية.
إن محاولة مجاراة النمسا في الركض والضغط البدني المباشر طوال تسعين دقيقة قد تكون مغامرة غير محسومة العواقب، خاصة في ظل الإرهاق البدني التراكمي للاعبين بنهاية الموسم، لذلك، فإن نجاة المحاربين من هذه المصيدة الشرسة تعتمد بالدرجة الأولى على النضج التكتيكي لخط الوسط، والاعتماد على الكرات الطولية الذكية الموجهة لكسر خطوط الضغط الأولى، ونقل المعركة مباشرة إلى المساحات الفارغة خلف المدافعين النمساوي، فليلة المباراة لن تكون مجرد مواجهة كروية، بل هي معركة كسر عظام تكتيكية تتطلب برودة أعصاب تامة، وتمريرا خاطفا يخترق جدار الضغط الألماني بصبغته النمساوية قبل أن يقع المحاربون في فخ “البروفيسور”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك