كتبتُ كثيراً في هذه الزاوية عن الأموال المشبوهة التي تُدار بها مؤسساتنا الرياضية الكبرى، وعن غطرسة بعض الأثرياء الذين يتحكمون في هذه المؤسسات بسبب تقصير جماهيرها وإحجامها عن نيل العضوية؛ لكي تمارس دورها الأصيل في اختيار من يديرونها، ومن ثم مراقبة أدائهم.
لكن المؤسف أن مثل هذا الكلام الجاد والعملي لا يجد آذاناً صاغية؛ لأن هناك دائماً أقلاماً مدفوعة الأجر تروّج لهؤلاء الأثرياء، وتسوّق وهماً مفاده أن مؤسساتنا ستفتقر من دونهم.
ولهذا ظلت جماهير الهلال، بوصفه أحد الأندية الرائدة في البلاد، أشبه بجوقة من المتفرجين على العبث الذي يمارسه إداريون لا يملكون في هذه الدنيا سوى المال المشبوه الذي تحقق في فترة زمنية قياسية، من دون أن نسأل: من أين جاء، وكيف تحقق؟وطالما أننا نتجاوز الأسئلة الصعبة، فليس مستغرباً أن يظن أي إداري ضعيف المؤهلات والتجربة أن نادينا صار جزءاً من ممتلكاته الخاصة.
إن شكوى من يؤيدون السيطرة المطلقة للأثرياء على أنديتنا من ممارسات بعض هؤلاء الأثرياء لا تختلف عن شكوى ظللن يؤيدن الحرب منذ ساعاتها الأولى من تراجع قيمة عملتنا وتدهور اقتصادنا وخراب بيوتنا.
فكل من يحيد عن المبادئ لا يستحق أن يُطلق عليه لقب صحفي أو كاتب رأي.
فمن الطبيعي أن يتراجع الاقتصاد بفعل الحروب التي تفتح أبواباً واسعة للفساد، كما أنه من الطبيعي أن يخطئ إداري نخضع لإرادته بالكامل، ونسلّمه مؤسسةً بعظمة الهلال، ثم نكتفي بالجلوس على مقاعد المتفرجين.
لكن الغطرسة نفسها درجات، وما شعرتُ به منذ سنوات عديدة أن نائب رئيس الهلال، العليقي، بلغ أعلى مستويات الغطرسة.
ومع ذلك، لم أتخيل يوماً أنه يردد وسط زملائه في المجلس عبارة مثل: “ديل رجرجة ساي”.
ومن يقصدهم بمفردة “الرجرجة” هم جماهير الهلال.
وكان هذا الفتى المتغطرس يردد ذلك الوصف كلما جادله أعضاء المجلس بشأن مشروع قرار لا يروق لهم، ويقولون له إنه قد يثير حفيظة الصحافة أو يغضب الجماهير.
أما الصحفيون، فيقول عنهم: “هؤلاء مجرد عواطلية”.
وأظن أنه لم يجرؤ على ترديد مثل هذه العبارات إلا لأنه وجد عدداً من ضعاف النفوس بين الصحفيين، ورآهم يطبلون ليل نهار لكل ثري يدفع، كما وجد بين الجماهير بعض السذج والبسطاء الذين يقيمون الرجال فقط بحجم ما يدفعونه من مال.
ولو كانت لدينا صحافة جادة تمارس دورها بمسؤولية كاملة، لتطور وعي الجمهور كنتيجةً طبيعيةً لذلك، ولما تجاسر العليقي وأمثاله على إطلاق مثل هذه العبارات المسيئة في حقنا، فهو بمثل هذا التوصيف يسيء للمحترمين في المجال.
ولمثل هذا ظللت أكتب منذ سنوات عن ضرورة اكتساب العضوية والمشاركة الفاعلة في إدارة نادي الهلال.
لكننا في السودان نمارس سلبية غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه ننتظر نتائج تُسعدنا.
وهذا الموقف يشبه أيضاً موقف ثوار ديسمبر؛ فبرغم تضحياتهم الجسيمة، قبلوا بفكرة تجاوز مجلسهم التشريعي، ليقضوا بذلك على دورهم الرقابي، ثم شكوا بعد ذلك لطوب الأرض ضياع ثورتهم العظيمة التي فقدنا فيها خيرة شباب الوطن، ثم سكتنا كشعب على مؤامرة جوبا التي سُوِقت كمعاهدة سلام والآن نجأر بالشكوى من ممارسات وفساد من مكنتهم تلك المؤامرة.
العليقي وأمثاله من الأثرياء الجدد لن يحترمونا، ولن يديروا مؤسساتنا كما نريد، ما لم نكن شركاء أصيلين وفاعلين في اتخاذ القرارات.
وهذا لن يتحقق من دون اكتساب العضوية والمساهمة المادية، حتى يصبح للجماهير صوت مؤثر ورقابة حقيقية على مؤسساتها.
والمحيّر في الأمر أن هذا الفتى يجد من يهلّلون له بوصفه إدارياً شاباً حقق الكثير من النجاحات.
ولأنهم سطحيون، فالنجاح عندهم يتمثل في تسجيل أكبر عدد من المحترفين الأجانب، والتعاقد مع أكثر من مدرب كل عام أو عامين.
لكن لا أحد يسأل عن النتيجة النهائية لكل هذا الصرف البذخي من أموالٍ مصادرها غير نظيفة.
نائب رئيس نادي الهلال لم ينجح في شيء، بل على العكس، أضرّ بنادينا أكثر مما أفاده.
ولو تذكرون، كنت قد كتبت مقالاً حول إعلان المجلس تمديد عقد المدرب ريجكامب، ثم إصدارهم ذلك البيان الهزيل بعد تعاقد الروماني مع نادي الترجي التونسي، وقلت إنهم تعجلوا بالإعلان قبل توقيع العقد.
وبالأمس ذكر الأمين العام للمجلس بأن المدرب لم يحترمهم إذ وافق شفهياً على التمديد ثم تراجع عن ذلك، والتأمل العميق في مثل هذا التصريح الصادر من أكاديمي محترم وعالمٍ جليل يكشف أننا أمام أزمة حقيقية.
فكيف يوافق الدكتور حسن علي عيسى المتعلم المستنير، وبقية أعضاء المجلس، على الإعلان رسمياً عن تمديد العقد لمجرد أن ريجكامب أخبرهم شفهياً بأنه موافق على التمديد؟وهذا مجرد نموذج صغير للمهانة التي يعيشها نادي “الخريجين الأوائل” بسبب الاعتماد على أشخاص لا يملكون سوى المال.
فلولا تهافتهم لما وقع المجلس في مثل هذا الخطأ الفادح.
والأعجب أن تقرأ تعليقاً لمشجع سطحي على كل من ينتقد هؤلاء الإداريين من شاكلة: “أعداء النجاح… عندك تعال ادفع بدلاً عنه، ما عندك نقطنا بسكاتك”.
ولا يدرك مثل هذا المشجع محدود الفهم أن هؤلاء الأثرياء يحققون من وراء أنديتنا عشرات أضعاف ما ينفقونه، بوسائل وطرق مختلفة.
عموماً، ما دام بيننا من ينظرون إلى الأمور بهذه السطحية، فلا ينبغي أن نستغرب أو نغضب عندما يتفوه العليقي أو غيره بعبارات من قبيل: “ديل رجرجة ساي”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك