تكتسب رواية «48» للكاتب محمد المصطفى موسى تفردها في المشهد الروائي السوداني المعاصر من خلال قدرتها العالية على تطويع الأداة اللغوية لصالح “المشهدية البصرية”.
الرواية لا تكتفي بنقل الأحداث عبر سرد حكائي خطي، وإنما تعيد إنتاج الفضاء الزماني والمكاني لمدينة أمدرمان وسوق العيش في أربعينيات القرن الماضي.
ويتجلى ذلك عبر وعي بصري حاد يمزج بين دقة التقاط التفاصيل وابتكار تراكيب بلاغية ومجازات تتجاوز المألوف، بما يمنح النص قدرة لافتة على الانتقال من المقروء إلى المتخيَّل المرئي.
ويتجلى هذا الوعي عبر طريقة بناء الفصول والمشاهد.
هذا البناء يتيح للغة أن تعلب دور “العدسة” التي تتحكم في زوايا الرؤية ومسافاتها.
تتحرك الجملة عند محمد المصطفى بإيقاع يتوازى مع حركة الأجساد والأنفاس وضجيج السوق، فتتلاحق الصور لرصد انفعالات الشخصيات وحركتها.
و هنا يُمنح القارئ شعوراً بالحضور الكامل داخل المشهد دون أن يسجنه السرد في دور المتابع عن بعد.
ويظهر هذا التوظيف جلياً في رصد التغيرات المناخية والبيئية التي تضرب فضاء السوق وتنعكس على حركة التجارة والحياة، حيث يفتح الكاتب عدسته على لقطة واسعة ترصد يقظة المدينة على إيقاع غير مألوف:“على هيئة غير معهودة، اشتدّ النهار باكرًا في سوق العيش.
”“في سمائه المحتقنة بالغضب، تتكور حمم متوقدة من اللهب لتنهمر بلا رحمة على الرؤوس والأجساد”.
وهنا لا يصبح الوصف غاية في ذاته، بل يتحول إلى أداة لإنتاج المزاج النفسي والدرامي للمكان.
وتبلغ هذه الحركية ذروتها التعبيرية في فصل « نزاع العتالين»، الذي يمثل إحدى أكثر لحظات الرواية اكتمالاً من حيث التشكيل البصري.
فالكاتب لا يبدأ بالنزال مباشرة، وإنما يؤسس للمشهد بلقطة واسعة تُدخل القارئ إلى قلب المجال البصري:“مع أولى خيوط الفجر، كان سوق العيش يضج بالحركة وكأنه خلية نحل أثقلها التزاحم المحموم”.
هذه البداية لا تؤدي وظيفة وصفية فقط، بل تعمل كلقطة تأسيسية، تجعل السوق نفسه بطلاً جماعياً قبل أن يدخل الأبطال إلى المشهد.
ومن ثم تبدأ عملية تضييق العدسة تدريجياً:أولاد منصور تحت الراكوبة، البعلبكي وتحالفه في الجهة المقابلة، همفري في موقع المراقب، بينما يؤجل الكاتب ظهور ماتريد حتى لحظة اكتمال التوتر:“كومة من الأتربة تصاعدت من وسط الميدان بغتة… لتتجلى من خلفها ماتريد وهي تجلس وحدها على مقعد خشبي منحوت على طراز ملوك السلطنة الزرقاء”.
هذا الظهور لا يؤدي وظيفة حكائية فقط، وإنما يمنح المشهد بعداً احتفالياً أقرب إلى المسرحة الطقسية، حيث لا تدخل الشخصية بوصفها فرداً، بل بوصفها علامة بصرية.
كما يبرز في هذا الفصل توظيف واضح لما يشبه المونتاج المتوازي، إذ لا يبقى السرد معلقاً عند حركة المتصارعين وحدهما، بل ينتقل باستمرار بين الأجساد وردود الأفعال:“شهقت القلوب، زاغت الأبصار وبُحت الأصوات في مواضع الحناجر”.
فالضربة لا تُرى وحدها، وإنما من خلال ارتدادها على الحشد.
ويزداد هذا الإيقاع سرعة حين يحتدم الاشتباك:“عاد الاشتباك بوقع أعنف وأسرع… سيد الرجال يتمايل في الهواء… يدور حول الدقوني بإصرار…”إن تتابع الأفعال القصيرة والمتلاحقة يجعل اللغة نفسها امتداداً للحركة لا مجرد وسيط لنقلها.
ولا تقل أهمية عن ذلك الطريقة التي يوظف بها الكاتب الحشود.
فهي لا تعمل بوصفها خلفية ديكورية، وإنما تتحول إلى كائن جمعي يمتلك نبضاً واحداً: الزغاريد، الصمت، التصفيق، الارتجاف، وحركة الأجساد كلها تشارك في إنتاج المعنى، بما يجعل البطولة هنا جماعية أكثر منها فردية.
غير أن هذا الثراء السينوغرافي نفسه يفتح باباً لبعض الملاحظات الفنية.
فالرواية، في انحيازها الواضح إلى بناء المشهد بوصفه لوحة بصرية مكتملة، تدفع أحياناً ثمناً يتمثل في إبطاء الإيقاع الحكائي لصالح الامتلاء التشكيلي.
وفي بعض لحظات النزال تتكاثر ردود الأفعال والانتقالات بين الشخصيات بصورة قد تمنح بعض القراء شعوراً بتأجيل الحسم الدرامي.
كما أن الميل إلى بناء لحظات أيقونية – مثل ظهور ماتريد أو مشهد التتويج – يجعل الرمزية تتقدم أحياناً على الاقتصاد السردي.
لكن هذه الملاحظات لا تبدو هنا عيوباً بقدر ما تعكس خياراً جمالياً واعياً، إذ لا تراهن الرواية على السرعة أو الاختزال، وإنما تراهن على كثافة المشهد وتعدد طبقاته، وعلى بناء الأثر عبر التراكم لا عبر القفز السريع.
وتبلغ السينوغرافيا ذروتها في خاتمة الفصل؛ إذ لا يكتفي الكاتب بإعلان انتصار سيد الرجال، بل يحول النصر إلى صورة:“تقدم سيد الرجال نحو ماتريد ببطء… فناولته العصا… وقف بوسط الميدان فرفع العصا عالياً…”ثم ينتقل فجأة إلى صورة البعلبكي المنكسر، قبل أن يُغلق المشهد بلقطة مختار الصامتة، ثم بجملة همفري:“ذاكرة تراب السوق… لا يغسلها المطر”.
ومن هنا يمكن القول إن رواية «48» لا تكتفي بإعادة بناء أربعينيات أمدرمان بوصفها زمناً تاريخياً، وإنما تعيد إنتاجها بصرياً عبر سينوغرافيا لغوية تجعل المكان متكلماً، والحشود فاعلة، والصورة شريكاً أصيلاً في صناعة المعنى.
وهي إحدى السمات التي تمنح الرواية حضوراً خاصاً داخل المشهد الروائي السوداني المعاصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك